هل اختُزلت غزة في ذاكرة السابع من أكتوبر؟
لما جمال العبسه
08-10-2026 08:57 PM
حين يحل السابع من أكتوبر من كل عام، يعود اسم قطاع غزة وما حدث ويحدث فيه إلى واجهة المشهد العالمي بوصفه تاريخاً مفصلياً غيّر مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات من التراجع. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بما جرى في ذلك اليوم بقدر ما يتعلق بما تبعه، فهل أصبحت غزة حدثاً يُستحضر في الذكرى السنوية فقط، بينما تستمر الوقائع على الأرض في رسم مستقبل مختلف وأكثر تعقيداً؟.
ثلاث سنوات من الحرب والدمار والمعاناة الإنسانية، يبدو أن القطاع الذي شغل شاشات العالم وأثار موجات واسعة من التضامن الدولي بسبب المقتلة الدموية اللانسانية الدائرة حتى يومنا هذا فيه ومحاولات تفريغه من سكانه يواجه تحدياً آخر يتمثل في خطر تحوله إلى قضية موسمية تستعاد في الخطابات والبيانات والتقارير، بينما تتراجع مكانته في سلم الأولويات الإقليمية تحت ضغط أزمات متلاحقة وصراعات لا تنتهي، ففي الوقت الذي تتزاحم فيه المنطقة بملفات أمنية واقتصادية وسياسية متشعبة، تزداد المخاوف من أن يؤدي تشتيت الاهتمام العام إلى إضعاف التركيز على القضية الفلسطينية برمتها، لا على غزة وحدها.
وإذا كانت ذاكرة المنطقة تبدو مثقلة بأزماتها الداخلية، فإن المشهد الغربي يقدم صورة مختلفة إلى حد بعيد، فالقضية الفلسطينية لم تغب عن العديد من الساحات الأوروبية والأمريكية، حيث واصل آلاف الناشطين والطلبة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني تنظيم مظاهرات وحملات سياسية وإعلامية للضغط من أجل وقف الحرب الدموية والإبادة الإنسانية هناك وتعزيز حماية المدنيين ومراجعة سياسات الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني ودولته المزعومة، وقد أظهرت هذه التحركات أن قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي لم تعد تنظر إلى القضية الفلسطينية من الزاوية التقليدية ذاتها، بل باتت تتعامل معها بوصفها قضية حقوقية وعدالة دولية، الأمر الذي دفع العديد من القوى السياسية إلى إعادة حساباتها خشية الاصطدام بمزاج شعبي متنامي ينتقد استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية.
في المقابل، يستمر الكيان الصهيوني في فرض وقائع جديدة على الأرض، ليس في قطاع غزة فحسب بل في الضفة الغربية أيضاً، من خلال سياسات يعتبرها الفلسطينيون تكريساً لأمر واقع جديد يحد من فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة ويعزز السيطرة الصهيونية على الجغرافيا الفلسطينية، وهنا لا يقتصر التحدي على الأحداث العسكرية أو الأمنية المباشرة، بل يمتد إلى صراع طويل الأمد يتعلق بمستقبل الأرض والحدود والموارد وموازين القوى السياسية والاقتصادية في المنطقة.
وتزداد خطورة هذا المسار كلما انشغلت المنطقة بصراعاتها وأزماتها الداخلية، فالفوضى التي تضرب أجزاء مختلفة من الشرق الأوسط، أياً كانت أسبابها ومصادرها، تؤدي عملياً إلى إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية بحيث تتقدم الملفات الأمنية المحلية على حساب القضية الفلسطينية، وعندما يصبح الهمّ الأساسي للدول والمجتمعات هو احتواء الأزمات الداخلية ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتفاقمة، تتراجع قدرة المنطقة على إبقاء فلسطين في صدارة الاهتمام السياسي والشعبي، وبالتالي يتحقق لدولة الكيان الصهيوني ما تصبو اليه من فرض سيطرتها الامنية والسياسية والاقتصادية إبتداءاً من نسيان الحق الفلسطيني.
ومع ذلك، فإن اختزال مأساة قطاع غزة في ذكرى سنوية يبقى أمراً يصعب تحقيقه بالكامل، فحجم المأساة الإنسانية، واستمرار تداعيات الحرب، واتساع النقاش العالمي حول مستقبل الفلسطينيين وحقوقهم، كلها عوامل تجعل القضية حاضرة رغم محاولات التهميش أو التغييب، كما أن ما جرى منذ السابع من أكتوبر 2023 لم يعد حدثاً عابراً في تاريخ الصراع، بل تحول إلى محطة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المنطقة بأكملها، وطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل فيها، وحدود القوة العسكرية في فرض الحلول السياسية.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الفلسطيني خاصة في قطاع غزة اليوم ليس النسيان الكامل، بل تحويله التاريخ إلى مجرد ذكرى تُستدعى مرة كل عام، لكن الاحداث خلال العقود الماضية تثبت أن لالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً مرتبطة بتاريخ واحد أو معركة واحدة، بل هي قضية شعب وأرض ومستقبل سياسي بل ومنطقة برمتها، وما زال هذا مفتوحاً على احتمالات كثيرة، وبينما يستحضر العالم ذكرى السابع من أكتوبر، يبقى التحدي الحقيقي هو ألا يتحول قطاع غزة إلى فصل من الماضي، في وقت لا يزال الواقع على الأرض يكتب فصولاً جديدة من الصراع يومياً.