facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جنوب الأردن .. أرض الثروات التي تنتظر نصيبها من التنمية


أ. د. خالد الطراونة
10-10-2026 06:43 PM

حين نتحدث عن محافظات الجنوب الأردني: الكرك، الطفيلة، معان والعقبة، فإننا لا نتحدث فقط عن مساحة جغرافية واسعة من وطننا، ولا عن محافظات ذات عدد سكان محدود؛ بل نتحدث عن منطقة تختزن جزءًا مهمًا من ثروات الأردن الطبيعية والمعدنية، وممراته التجارية، وموانئه، ومواقعه السياحية، وطاقاته المستقبلية.

ومع ذلك يبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه بهدوء وموضوعية: هل حصل الجنوب على نصيبه الحقيقي من التنمية التي يمكن أن تصنعها هذه الثروات؟

بحسب تقديرات دائرة الإحصاءات العامة لنهاية عام 2025، يبلغ مجموع سكان المحافظات الجنوبية الأربع نحو 964,500 نسمة فقط من أصل 11.937 مليون نسمة في المملكة، أي نحو 8.1% من سكان الأردن.

وهذا العدد السكاني المحدود لا ينبغي أن يكون سببًا لتأجيل التنمية، بل ربما يكون فرصة لبناء نموذج تنموي مختلف، يستند إلى الموارد والموقع والمساحة، وليس إلى كثافة السكان فقط، فالجنوب ليس فقيرًا بالموارد الطبيعية حيث تشير وزارة الطاقة والثروة المعدنية إلى أن فرصًا استثمارية مهمة في الموارد المعدنية تتركز بدرجة كبيرة في شرق وجنوب الأردن، ومنها البازلت، والكاولين، والحجر الجيري، ورمال السيليكا، والتف البركاني، والزيوليت وغيرها. كما أن الكرك والطفيلة ومناطق الجنوب تزخر بخامات صناعية متنوعة، إلى جانب الفوسفات والصخر الزيتي وغيرها من الموارد.

وفي معان تحديدًا، تبرز رمال السيليكا كمثال صارخ على الإمكانات غير المستغلة بالقدر الكافي؛ فقد قدرت وزارة الطاقة والثروة المعدنية كميات السيليكا في المحافظة بحوالي 12 مليار طن بنقاء يقارب 99%، مع إمكانية استخدامها في صناعات الزجاج، والسباكة، والبصريات، والكريستال، وأنظمة الطاقة الشمسية، بل طُرحت فكرة إنشاء مدينة صناعية لمنتجات السيليكا.

أما الشيدية، فهي ليست مجرد منجم فوسفات؛ فهي واحدة من أهم مراكز الثروة التعدينية في الأردن، وتقع إداريًا ضمن محافظة معان، وتساهم بحوالي 80% من إنتاج شركة مناجم الفوسفات الأردنية، وقد بلغ إنتاجها نحو 12.14 مليون طن عام 2025، وهنا تبدأ القصة الأكثر أهمية فمن الشاحنة الى القطار فلطالما كان نقل الخامات من مناطق التعدين إلى ميناء العقبة جزءًا أساسيًا من معادلة التعدين الأردنية، ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من التطور في عمليات النقل في الأردن ففي الخامس من تشرين الأول 2026، وُضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان، وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى رفع كفاءة نقل منتجات التعدين وخفض كلف النقل وتعزيز تنافسية الصادرات، مع تعزيز دور العقبة كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.

والأرقام وحدها تكفي للدلالة على حجم المشروع. فشبكة السكك المرتبطة بالمشروع يبلغ طولها نحو 360 كيلومترًا، وتستهدف نقل نحو 16 مليون طن سنويًا من الفوسفات والبوتاس، منها قرابة 13 مليون طن من الفوسفات ونحو 2.6–3 ملايين طن من البوتاس. كما توجد دراسات لربط مسار الشيدية بمنطقة معان التنموية، بما يتكامل مع مشروع ميناء معان البري ليكون نواة لمنطقة لوجستية وجمركية وصناعية جديدة.

وهنا، في رأيي، يجب ألا ننظر إلى السكة الحديدية على أنها مجرد وسيلة لنقل الفوسفات من المنجم إلى الميناء فهذه فرصة لإعادة تعريف الدور الاقتصادي لمعان والجنوب كله. فالقطار يمكن أن ينقل الخام، نعم؛ لكن السؤال الأهم:ماذا سنبني حول القطار؟ هل نبني مراكز تخزين ومناولة؟ هل نقيم صناعات تحويلية؟ هل ننشئ مصانع مرتبطة بالفوسفات والأسمدة؟ هل نستثمر في السيليكا لإنتاج الزجاج ومنتجات الطاقة الشمسية؟ هل ننشئ شركات محلية للخدمات الهندسية والصيانة والنقل واللوجستيات؟ هل نؤهل شباب معان والطفيلة والكرك ليكونوا جزءًا من هذه المنظومة الجديدة؟

إذا حدث ذلك، فإن السكة الحديدية لن تكون مجرد خط يمتد من الشيدية إلى العقبة، وإنما قد تصبح شريانًا تنمويًا يمتد إلى قلب الجنوب. فالثروة لا تكفي... انما القيمة المضافة هي الأساس فربما تكون هذه هي القضية الأهم في مستقبل التعدين الأردني.
اذا ليس المطلوب فقط أن نستخرج الفوسفات أو السيليكا أو البازلت أو الحجر الجيري ثم ننقلها إلى مكان آخر.

المطلوب أن ننتقل تدريجيًا من: استخراج الخام ← نقله ← تصديره إلى: استكشاف ← تعدين ← معالجة ← تصنيع ← صناعات تحويلية ← خدمات هندسية ← بحث علمي ← تدريب ← تصدير منتجات ذات قيمة مضافة.

وهذا الاتجاه بدأ يظهر بالفعل في الخطاب والسياسات الرسمية؛ فوزارة الطاقة تتحدث عن التوسع في الصناعات التحويلية للفوسفات، وإنتاج حمض الفوسفوريك والأسمدة ومواد تدخل في صناعات دوائية وطبية، بما يرفع القيمة الاقتصادية للثروة ويخلق فرص عمل في مناطق التعدين.

ماذا نريد من الجنوب؟ لا أعتقد أن المطلوب هو التعامل مع الجنوب باعتباره منطقة تحتاج إلى مساعدات أو وظائف حكومية انما الجنوب يحتاج إلى استثمار حقيقي في قدراته. نحتاج إلى دعم الجامعات المتخصصة في التعدين والجيولوجيا والهندسة واللوجستيات والطاقة المتجددة والصناعات المعدنية. نحتاج إلى مراكز أبحاث تطبيقية مرتبطة مباشرة بالمناجم والصناعات. نحتاج إلى شركات صغيرة ومتوسطة يملكها أبناء المحافظات الجنوبية وتعمل في خدمات التعدين والحفر والمسح الجيولوجي والمختبرات والصيانة والنقل. نحتاج إلى مناطق صناعية مرتبطة بالمواد الخام المحلية. ونحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر الشاب في معان أو الطفيلة او العقبة أو الكرك أن الثروة الموجودة تحت قدميه يمكن أن تكون جزءًا من مستقبله، وليست مجرد مادة تُستخرج وتغادر منطقته. فحين ننظر إلى الجنوب من زاوية عدد السكان فقط، قد يبدو أن عدد سكانه محدود.

لكن حين ننظر إليه من زاوية المساحة، والثروات المعدنية، والفوسفات والبوتاس، وميناء العقبة، والسياحة، والطاقة، والطرق، والموقع الجغرافي، والحدود والأسواق الإقليمية، فإن الصورة تختلف تمامًا.

والقطار الجديد يمكن أن يغير المعادلة. فالمشروع يتضمن مستقبلًا إمكانية التوسع في شبكة السكك وربط العقبة بمناطق أخرى في المملكة، مع آفاق للربط الإقليمي عبر سوريا وتركيا، وكذلك باتجاه السعودية ودول الخليج. كما أن الحكومة تنظر إلى ميناء معان البري بوصفه نواة لمنطقة لوجستية وصناعية جديدة.

وهنا يمكن أن تتحول معان من محطة عبور إلى مركز لوجستي وصناعي، وأن تتحول العقبة من ميناء تصدير إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات، وأن تتحول مناطق التعدين في الجنوب من مواقع استخراج إلى مراكز إنتاج وصناعة ومعرفة.

كلمة أخيرة: أنا لا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: ماذا أعطى الجنوب للأردن؟ فالجنوب أعطى الكثير. السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: ماذا يمكن أن نبني للجنوب من خلال ما أعطاه للأردن؟ فلدينا اليوم فرصة حقيقية فالفوسفات، البوتاس، السيليكا، الصخور الصناعية، الطاقة، الميناء، السياحة، الجامعات في الجنوب، وسكة الحديد الجديدة. هذه ليست موارد متفرقة. إذا أحسنّا التخطيط والربط بينها، يمكن أن تصبح منظومة اقتصادية متكاملة. ولذلك فإن مشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مشروع نقل فقط، بل باعتباره فرصة لإعادة التفكير في النموذج التنموي للجنوب الأردني كله. فالقطار يمكن أن يحمل الفوسفات إلى العقبة...لكن التنمية الحقيقية هي أن يحمل المستقبل إلى الجنوب كله.

* جامعة الحسين بن طلال





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :