facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إيران وما بعدها صراع على النظام الإقليمي الجديد.


م. عمر الشرمان
09-10-2026 08:49 PM


لم تعد المواجهة مع إيران مجرد صراع حول البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي لطهران، بل أصبحت جزءًا من معادلة دولية أوسع تتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا، وحسابات الأمن القومي لدول المنطقة، ومستقبل الممرات البحرية وأسواق الطاقة. ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط: ماذا سيحدث لإيران؟ بل: كيف ستبدو المنطقة إذا تغيرت مكانة إيران أو دخلت الدولة الإيرانية مرحلة تحول سياسي عميق؟

إن ما يجري يتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة؛ لأن إضعاف دولة بحجم إيران لا يترك فراغًا محليًا فحسب، بل يعيد توزيع النفوذ، ويفتح ملفات الحدود والهويات القومية والتحالفات الإقليمية، وقد يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

من استهداف النظام إلى إعادة تشكيل التوازنات

تُظهر المواجهة مع إيران أن أدوات الصراع لم تعد تقتصر على القوة العسكرية، بل تشمل العقوبات الاقتصادية، والضغط على صادرات الطاقة، والتحكم في الممرات البحرية، ومحاولة تقليص قدرة الخصم على التأثير في محيطه الإقليمي.

لكن إضعاف النظام لا يعني بالضرورة سقوطه، كما أن سقوطه، إن حدث، لا يعني تلقائيًا قيام نظام بديل مستقر. فالتجارب الإقليمية، من العراق إلى ليبيا وسوريا، أثبتت أن انهيار السلطة المركزية قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وتدخلات خارجية يصعب احتواؤها.

وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية: قد تنجح القوة العسكرية في تغيير موازين الردع، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان شكل النظام السياسي الذي سيأتي بعدها. فالسؤال الحقيقي ليس من يستطيع إلحاق الضرر بخصمه، بل من يستطيع إدارة اليوم التالي ومنع تحوّل التفوق العسكري إلى فوضى طويلة الأمد.

النظام الدولي الجديد.. صراع على قواعد اللعبة

لا يمكن قراءة المواجهة مع إيران بمعزل عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على تفوقها ومنع خصومها من توسيع نفوذهم، بينما تعمل الصين على تعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي، وتسعى روسيا إلى حماية موقعها الدولي وتوسيع هامش حركتها في مواجهة الضغوط الغربية.

وفي المقابل، تحاول قوى إقليمية، مثل تركيا ودول الخليج وباكستان، حماية مصالحها وتجنب الارتهان الكامل لمحور دولي واحد.

ضمن هذه المعادلة، تمثل إيران أكثر من مجرد خصم إقليمي لواشنطن؛ فهي دولة ذات موقع جغرافي حساس، وموارد طاقة كبيرة، وحدود ممتدة، وشبكة علاقات سياسية وأمنية تؤثر في عدد من ملفات الشرق الأوسط.

لذلك، فإن أي تحول جذري في مكانتها سينعكس على حسابات موسكو وبكين وواشنطن، كما سيعيد ترتيب أولويات العواصم الإقليمية. ومع ذلك، لا يعني تلاقي بعض المصالح أن هناك بالضرورة خطة دولية واحدة متفقًا عليها لتقسيم المنطقة؛ فالقوى الكبرى تتنافس فيما بينها، وقد تتعارض مصالحها حتى عندما تتفق على إضعاف طرف معين.

تركيا وقطر وباكستان.. مخاوف اليوم التالي

على اختلاف مصالح تركيا وقطر وباكستان، فإن هذه الدول الثلاث قد تواجه تداعيات مباشرة إذا دخلت إيران مرحلة انهيار مؤسساتي أو تفكك جغرافي. لكن تفسير مواقفها يتطلب النظر إلى حسابات كل دولة، لا افتراض أنها تدافع عن بقاء النظام الإيراني للأسباب نفسها.

تركيا والمسألة الكردية: تنظر أنقرة إلى أي اضطراب واسع في المناطق الكردية الإيرانية باعتباره احتمالًا قد يؤثر في أمنها الداخلي وحدودها الشرقية. فظهور جماعات مسلحة أكثر قوة أو نشوء كيان سياسي جديد في تلك المناطق قد يعيد تنشيط مخاوفها التاريخية المرتبطة بالمسألة الكردية.

غير أن قيام إقليم كردي مستقل في إيران، ثم تحوله تلقائيًا إلى مشروع لتغيير حدود تركيا والعراق وسوريا، ليس نتيجة حتمية. فالقوى الكردية متعددة التوجهات، ومصالح الدول الإقليمية والدولية متباينة، وأي تحول من هذا النوع سيواجه حسابات سياسية وأمنية معقدة.

قطر ومعادلة الوساطة: بنت الدوحة جانبًا مهمًا من نفوذها على التواصل مع أطراف متعارضة والقيام بأدوار الوساطة. وقد تتغير قيمة هذا الدور إذا تبدلت خريطة التحالفات الإقليمية، لكن ذلك لا يعني أن قطر ستفقد أهميتها الدبلوماسية أو أن تصنيفها دولة راعية للإرهاب أصبح نتيجة مؤكدة. فالعلاقات الأمريكية القطرية، والاعتبارات الأمنية الخليجية، والدور القطري في ملفات إقليمية متعددة، كلها عوامل تجعل المشهد أكثر تعقيدًا من اختزاله في العلاقة مع إيران وحدها.

باكستان وهاجس بلوشستان: تواجه إسلام آباد تحديات أمنية مزمنة في إقليم بلوشستان، بالتزامن مع تعقيدات علاقاتها مع أفغانستان وحدودها الغربية. وإذا تعرضت إيران لاضطراب واسع في مناطقها الشرقية، فقد تتزايد حركة السلاح والمقاتلين عبر الحدود، وتتسع فرص الجماعات المسلحة لاستغلال الفراغ الأمني.

لكن الربط بين أي تحرك بلوشي في إيران وانفصال بلوشستان الباكستانية بصورة تلقائية يتجاهل اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية بين الجانبين. فالتشابه القومي لا يكفي وحده لإنتاج مشروع انفصالي ناجح، وإن كان اضطراب الحدود قد يجعل التحديات الأمنية أكثر خطورة.

إن القاسم المشترك بين هذه الدول ليس بالضرورة الرغبة في بقاء إيران قوية أو ضعيفة، بل الخشية من أن يؤدي انهيارها إلى نتائج لا يمكن التحكم بها.

القوميات والحدود.. هل يتكرر سيناريو التفكك؟

تضم إيران تنوعًا قوميًّا ولغويًّا واسعًا، بما في ذلك الأكراد والبلوش والأذريون والعرب والفرس. وقد تتحول التوترات الداخلية، في ظروف معينة، إلى عامل مؤثر في مستقبل الدولة، خصوصًا إذا تراجعت قدرة المؤسسات المركزية على إدارة الأزمات وضمان الأمن والخدمات.

لكن التنوع القومي لا يعني أن التقسيم حتمي، كما أن وجود مظالم سياسية أو اقتصادية لا يقود بالضرورة إلى الانفصال. فالنتائج تتوقف على تماسك مؤسسات الدولة، وطبيعة البدائل السياسية، ومواقف المجتمعات المحلية، وحسابات القوى الخارجية.

والخطر الأكبر قد لا يكون إعلان قيام أربع دول جديدة، كما تتداول بعض السيناريوهات، بل دخول إيران مرحلة طويلة من ضعف السلطة المركزية وتعدد مراكز النفوذ، بحيث تصبح بعض المناطق خارج السيطرة الفعلية للدولة، وتتسابق القوى الإقليمية والدولية على التأثير فيها.

وهنا ينبغي التمييز بين تغيير النظام السياسي، وإعادة توزيع السلطة بين المركز والأقاليم، وانهيار مؤسسات الدولة. فهذه مسارات مختلفة، ولا يؤدي أحدها بالضرورة إلى الآخر.

إسرائيل والولايات المتحدة.. من التفوق العسكري إلى كلفة الاستقرار

قد يؤدي إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى تغيير معادلات الردع في المنطقة، لكنه لا يحسم وحده مستقبل الأمن الإقليمي. فالولايات المتحدة معنية أيضًا بأمن الملاحة وإمدادات الطاقة وحماية حلفائها ومنع اتساع الحرب، بينما تواجه إسرائيل سؤالًا استراتيجيًا يتعلق بما إذا كانت نتائج المواجهة ستقلص التهديدات أم ستنتج بيئة أكثر اضطرابًا على المدى البعيد.

إن انهيار مؤسسات الدولة الإيرانية قد يفتح الباب أمام انتشار السلاح، وصعود جماعات مسلحة، وتعدد مراكز القرار، وتعقيد السيطرة على الحدود. كما أن استمرار الحرب يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية على المنطقة والعالم.

لهذا، فإن القدرة على تحقيق تفوق عسكري لا تعني امتلاك القدرة على التحكم الكامل في نتائجه السياسية. فالتاريخ الحديث يقدم شواهد عديدة على أن إسقاط سلطة ما أسهل من بناء نظام مستقر بعدها، وأن الفراغ الذي تتركه الحروب قد يتحول إلى مصدر تهديد يتجاوز حدود الدولة المستهدفة.

العراق في قلب المعادلة

يظل العراق من أكثر الدول تأثرًا بأي تحول استراتيجي كبير في إيران، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين. وقد يؤدي تراجع النفوذ الإيراني إلى إعادة ترتيب التوازنات داخل العراق، لكنه قد يفتح أيضًا المجال أمام قوى أخرى لمحاولة ملء الفراغ.

ومن هنا، فإن المصلحة العراقية تقتضي حماية السيادة الوطنية، ومنع استخدام الأراضي العراقية لتصفية الحسابات الإقليمية، وتعزيز مؤسسات الدولة وقدرتها على ضبط السلاح وإدارة العلاقات الخارجية باستقلالية.

فالعراق لا يستفيد من ارتهانه لمحور واحد، ولا من انهيار دولة مجاورة وما قد يرافقه من فوضى حدودية وأمنية. وتكمن مصلحته في نظام إقليمي يحترم سيادة الدول ويحد من التدخلات الخارجية، ويمنع تحويل المجتمعات المحلية إلى أدوات في صراعات الآخرين.

الخلاصة: من يملك اليوم التالي؟

إن مستقبل إيران لن يتحدد في طهران وحدها، بل سيتشكل أيضًا في واشنطن وموسكو وبكين وأنقرة وإسلام آباد والعواصم الخليجية، وفي طبيعة التفاهمات أو الصراعات التي ستنشأ بينها.

قد تخرج إيران من المواجهة أضعف، وقد تشهد تحولًا سياسيًا عميقًا، لكن ذلك لا يجعل تقسيمها نتيجة محسومة، ولا يعني أن تداعياتها ستبقى محصورة داخل حدودها. فالمخاطر الحقيقية تكمن في احتمال انتقال الأزمة من صراع بين دول إلى صراع على الحدود والموارد والهويات ومراكز النفوذ.

إن النظام الدولي الجديد لا يتشكل بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدول على تحويل القوة إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار. ومن دون رؤية واضحة لليوم التالي، قد يتحول الانتصار العسكري إلى بداية أزمة استراتيجية أشد تعقيدًا.

فالرهان الحقيقي ليس فقط على من ينتصر في الحرب، بل على من يستطيع صياغة نظام إقليمي يمنع الفوضى ويحفظ سيادة الدول. وإذا كانت المواجهة الراهنة قد فتحت باب إعادة تشكيل خرائط النفوذ، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة هو: هل ستقود هذه التحولات إلى توازن أكثر استقرارًا، أم إلى شرق أوسط جديد تُرسم حدوده السياسية بالنار وتُترك شعوبه لدفع الثمن؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :