قبل نحو خمسة وعشرين عامًا، قرأت مقالًا ضمن كتاب بعنوان Janus Never Sleeps. استوقفني العنوان، ودفعني الفضول إلى التعمق في حكاية جانوس، إله البدايات والأبواب والانتقالات في الميثولوجيا الرومانية، الذي صوّره الرومان بوجهين؛ أحدهما ينظر إلى الماضي، والآخر يستشرف المستقبل.
بقيت الأسطورة في ذاكرتي، ثم تجاوزت حدود الحكاية القديمة لتصبح عدسة أقرأ من خلالها المجتمعات وتحولاتها. كلما تأملت مجتمعًا يطمح إلى التغيير، رأيت جانوس حاضرًا في تفاصيله؛ ذاكرة تشده إلى ما ألفه، وأحلام تدفعه إلى ما يرجوه، ومسافة شائكة تفصل ما يريد أن يصبحه عما اعتاد أن يكونه.
فالانتقال من زمن إلى آخر أيسر من انتقال العقول بين زمنين. قد تتغير القوانين وتتبدل الوجوه وتُفتح الأبواب، فيما تظل بعض الخطوات تدور في المكان نفسه. عندها يصبح الماضي قوة خفية تعيد تشكيل المستقبل على صورتها.
من هذه الزاوية، أرى جانوس اليوم واقفًا عند عتبة الأردن.
وجهه الأول يتأمل دولة راكمت عبر عقود أسباب الاستقرار والصمود، وبنت مؤسساتها وسط إقليم تتوالى فيه العواصف. ووجهه الآخر يتطلع إلى أردن يشعر فيه المواطن بأن صوته يصل إلى القرار، وأن المؤسسات التي تمثله تمنحه مكانًا في صناعة مستقبله. وبين الوجهين يقف سؤال المرحلة: هل نغيّر شكل الحياة السياسية فحسب، أم نغيّر أيضًا علاقة المواطن بها؟
فتح الأردن بابًا مهمًا حين وسّع دور الأحزاب في المنافسة النيابية على أساس البرامج. وجاءت انتخابات عام 2024 لتمنح هذا المسار اختبارًا عمليًا، مع وصول أكثر من مئة مرشح حزبي إلى مجلس النواب. كان ذلك تقدمًا يستحق البناء عليه؛ فالعمل الحزبي ينقل السياسة، في جوهره، من تنافس الأسماء إلى تنافس الأفكار، ومن الوعود المتفرقة إلى برامج يمكن مناقشتها ومحاسبة أصحابها عليها.
لكن الفوز بالمقاعد يفتح بابًا آخر من الأسئلة. فنجاح الحزب في الوصول إلى البرلمان يثبت قدرته على التنظيم والمنافسة، أما نجاحه في كسب ثقة الناس فيُقاس بما يفعله بعد الوصول. هل تبقى البرامج حاضرة حين تبدأ المواقف الصعبة؟ وهل يجد الناخب صوته في القرارات التي تُتخذ باسمه؟
الصندوق يمنح التفويض، أما الثقة فتُكتسب بالممارسة. يحتاج المواطن إلى أن يرى الوعود موضع متابعة، والبرامج حاضرة في المواقف، وممثليه مستعدين لتحمل مسؤولية قراراتهم. عندها يصبح البرلمان أكثر من مقاعد تحت قبة؛ يصبح حلقة حقيقية تصل المجتمع بالدولة.
ومن البرلمان يأخذنا جانوس إلى باب آخر: الإدارة المحلية.
هناك، في القرى والمدن والمحافظات، تنزل السياسة من مستوى الشعارات إلى أرض الحياة اليومية. يصبح الطريق الذي ينتظر الإصلاح سؤالًا في العدالة، والمشروع المتعثر سؤالًا في المسؤولية، وفرص الشباب وتوزيع الخدمات وأولويات الإنفاق اختبارات ملموسة لقدرة المؤسسات على خدمة الناس.
في هذه المساحة، يفترض أن تكون المسافة بين المواطن والقرار أقصر، وأن يصبح صوته أكثر قدرة على التأثير. لكن المفارقة تظهر حين يتقدم التحديث الحزبي على المستوى الوطني، بينما تظل بعض ممارسات التمثيل المحلي أسيرة العلاقات الفردية وشبكات النفوذ والمصالح الضيقة. يتغير الإطار، فيما تستمر أنماط مألوفة في ملء الفراغ.
وكأننا فتحنا بابًا نحو المستقبل، ثم تركنا في الممر ما يعيدنا إلى المربع الأول.
لهذا أرى الإدارة المحلية جزءًا جوهريًا من مشروع التحديث، لا تفصيلًا إداريًا على هامشه. فالديمقراطية التي يتعلمها المواطن عند صندوق الاقتراع تحتاج إلى امتداد في قريته ومدينته؛ في قدرته على تحديد الأولويات، ومتابعة المشاريع، ومعرفة أين تُنفق الموارد، ومساءلة من يتولى المسؤولية.
وحين تتصل الأحزاب بواقع الناس، وتمتلك المجتمعات أدوات حقيقية للتأثير في قراراتها، يلتقي مساران يحتاج إليهما الأردن: سياسة وطنية تناقش اتجاه الدولة، وإدارة محلية تجعل المواطن شريكًا في رسم ملامح المكان الذي يعيش فيه.
غير أن هذه الأبواب تظل ناقصة إذا بقيت الأغلبية الصامتة خارج المشهد.
في انتخابات عام 2024، شارك نحو 32 بالمئة من الناخبين المسجلين. وراء هذا الرقم سؤال أعمق من الدعوة إلى المشاركة: ما الذي يجعل المواطن يمنح صوته ثقته، ويجعل السياسة جزءًا من اهتمامه اليومي؟
قد تتعدد أسباب العزوف، من أعباء المعيشة إلى ضعف الصلة بالأحزاب والتردد في جدوى الوعود. لكنني أرى أن السؤال الأهم يتعلق بشعور المواطن بمدى تأثيره. فالإنسان يقترب من الشأن العام حين يرى أن مشاركته تُحدث فرقًا، ويبتعد حين تتحول المشاركة إلى طقس يتكرر، فيما تبقى النتائج بعيدة عن انتظاره.
لهذا، لا تُستعاد الثقة بكثرة الدعوات وحدها، وإنما بما يراه الناس من أثرها: قرار واضح، وممثل يمكن مساءلته، ومؤسسة تصغي وتشرح وتستجيب، ومشروع ينتقل من الورق إلى حياة الناس. هذه التفاصيل، الصغيرة في ظاهرها، هي التي تمنح المشاركة معناها الكبير.
أعود إلى جانوس، إلى الوجهين اللذين رافقاني منذ قراءتي الأولى قبل خمسة وعشرين عامًا. ربما تكمن قوة الأسطورة في أنها تختصر مأزقًا إنسانيًا متجددًا: أن يحمل المجتمع ماضيه في ذاكرته، فيما يظل مستقبله مرهونًا بقدرته على تجاوز تكرار أخطائه.
والأردن يمتلك رصيدًا من الاستقرار والخبرة المؤسسية يمكن أن يؤسس لمستقبل أوسع مشاركة وأكثر فاعلية. وتزداد قيمة هذا الرصيد حين يشعر المواطن بأن الدولة تسمعه، وأن مؤسساتها تفتح له مجالًا للتأثير، وأن صوته يرافق القرار من لحظة اختياره إلى ظهور نتائجه.
علّمتني حكاية جانوس، كما أقرأها اليوم، أن الوقوف عند العتبة قد يبدو حركة، لكنه يظل انتظارًا ما لم نخطُ إلى الداخل. والتحديث السياسي، مهما بلغت أهمية تشريعاته، يبقى مشروعًا مفتوحًا حتى يشعر الناس بأنهم جزء من نتائجه، لا مجرد شهود على مراحله.
جانوس لا ينام؛ فالزمن يمضي، والأجيال تتعاقب، والأسئلة القديمة تجد دائمًا أبوابًا جديدة لتدخل منها.
ويبقى السؤال الأردني: هل نكتفي بفتح أبواب المستقبل، أم نمتلك الشجاعة لعبورها معًا؟
أريد للأردن أن يعبرها بأبنائه جميعًا؛ بأحزاب تصل المجتمع بالدولة، وإدارة محلية تمنح الناس صوتًا مؤثرًا، ومؤسسات تجعل المشاركة فعلًا له قيمة ونتيجة.
عندها يصبح الماضي خبرة نهتدي بها، لا دائرة تدور بنا؛ ويصبح المستقبل وطنًا نبنيه معًا، لا بابًا نبقى واقفين عنده.