معهد السياسة والمجتمع يُصدر ورقة نقاشية بعنوان "الملك حذّر… فهل استعدّت الدولة؟ .. "
11-10-2026 12:12 PM
عمون - أصدر معهد السياسة والمجتمع، اليوم، ورقة نقاشية بعنوان "الملك حذّر… فهل استعدّت الدولة؟ حين يسبق خطاب الملك مؤسسات الدولة".
وتاليًا ما جاء في الورقة النَّقاشية:
"هل كان خطاب الملك عبد الله الثاني في نيويورك تحذيرًا من خطر يقترب من الأردن، بينما ما تزال مؤسسات الدولة تتعامل مع المنطقة بعقلية مرحلة انتهت شروطها؟ هذا هو السؤال الأكثر حساسية الذي يطرحه خطاب الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2026. فالمخاطر التي تواجه الأردن تتجاوز التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية أو احتمالات التهجير القسري، لتشمل تحولات أعمق في طبيعة إسرائيل وتوجهاتها السياسية، وامتداد التهديدات إلى جنوب سوريا، وتزايد حساسية الموارد المائية، وتغير وظائف التحالفات الإقليمية والدولية. وتتقاطع هذه التطورات عند مسألة جوهرية تتعلق بقدرة الأردن على حماية سيادته ومصالحه، في بيئة تتراجع فيها فاعلية بعض الأدوات والافتراضات التي استندت إليها سياسته الإقليمية طوال العقود الماضية.
لكن الأخطر في قراءة الخطاب قد يكون ما يكشفه من أسئلة داخل الدولة الأردنية نفسها: هل استوعبت المؤسسات حجم التحول في تقدير التهديد؟ وماذا تغير فعليًا في السياسات والاستعدادات بعد التحذير الملكي؟ وهل تمتلك المملكة جبهة داخلية قادرة على مواجهة أزمة طويلة قد تتجاوز آثارها الحدود إلى الاقتصاد والمجتمع والتوازنات السياسية؟
ينطلق المقال من قراءة تحليلية معمقة لخطاب الملك، متتبعًا التحول في لغته السياسية والأمنية، ودلالات الانتقال من التأكيد على فرص السلام والتسوية إلى التركيز على المخاطر التي تهدد الشروط الأساسية لقيام دولة فلسطينية، وعلى الأدوات اللازمة لمنع تكريس واقع إقليمي جديد. كما يناقش التحولات البنيوية داخل إسرائيل، وما تعنيه للأردن في ظل اتساع حضور التيارات المؤيدة للضم، وتراجع جدوى الرهان على أن تغيير الحكومة الإسرائيلية وحده سيعيد العلاقات إلى مسارها السابق.
ويخصص المقال مساحة أساسية لخطر التهجير القسري، انطلاقًا من فرضية أن التهجير قد يبدأ قبل وصول أي فلسطيني إلى الحدود الأردنية، من خلال تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات، وإضعاف مقومات البقاء، وفرض ظروف تدفع السكان تدريجيًا إلى الرحيل. ويبحث في المؤشرات التي ينبغي للأردن مراقبتها قبل انتقال هذا الخطر إلى مستويات أكثر تهديدًا لأمنه الوطني وتركيبته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ويمتد التحليل إلى جنوب سوريا، والتطورات الأمنية المحيطة بحوض اليرموك، واحتمالات تحول المياه إلى أداة ضغط سياسي، فضلًا عن التغيرات في طبيعة الدور الاستراتيجي للأردن داخل التحالفات الإقليمية والعلاقة مع الولايات المتحدة. ويطرح المقال هنا إشكالية دقيقة: كيف يستطيع الأردن الاستفادة من تحالفاته وشراكاته الدولية، وفي الوقت نفسه تقليص مواطن الاعتماد التي قد تحد من استقلال قراره في لحظات الأزمات؟
وفي قلب هذه التحديات تبرز الجبهة الداخلية بوصفها أحد أهم اختبارات قدرة الدولة الأردنية على الصمود. فتماسك المجتمع، والثقة بالمؤسسات، وفاعلية التمثيل السياسي، ومشاركة الشباب، والعدالة في توزيع الموارد والأعباء، جميعها عوامل تؤثر في قدرة الدولة على تحمل الضغوط الخارجية وإدارة الأزمات الممتدة. ومن هنا يناقش المقال الفجوة المحتملة بين الخطاب السياسي والاستجابة المؤسسية، والحاجة إلى انتقال مفهوم الجبهة الداخلية من التعبئة والتأييد إلى برنامج وطني يعزز المشاركة والثقة والجاهزية الاقتصادية والاجتماعية.
ويتناول المقال كذلك الخيارات المتاحة أمام الأردن في المرحلة المقبلة، بما يشمل تطوير منظومة للإنذار المبكر من التهجير، ودعم الصمود الفلسطيني، ومراجعة مصادر الاعتماد الاستراتيجي على إسرائيل، وتسريع المشاريع المرتبطة بالسيادة المائية، وإعادة تقييم وظائف الشراكات الدفاعية، وتوسيع استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب بناء آليات مؤسسية قادرة على تحويل التقديرات الاستراتيجية إلى قرارات وإجراءات قابلة للتنفيذ.
وتتمحور الأطروحة الأساسية للمقال حول أن التحدي الأردني المقبل يتحدد بمدى قدرة الدولة على الانتقال من تشخيص التهديدات إلى بناء القدرة على مواجهتها، ومن انتظار نتائج التحولات الإقليمية إلى التأثير في مساراتها، ومن التعامل مع الجبهة الداخلية بوصفها مصدر تأييد سياسي إلى الاستثمار فيها بوصفها إحدى أهم ركائز القوة الوطنية.
ويبقى السؤال الذي يفتحه خطاب الملك أمام الدولة والمجتمع معًا: إذا كانت طبيعة المخاطر المحيطة بالأردن قد تغيرت، فهل تغيرت بالقدر نفسه أدوات الدولة، وأولويات مؤسساتها، وطريقة استعدادها لما قد يأتي؟".
واستندت هذه الورقة إلى جلسة نقاشية عقدها معهد السياسة والمجتمع، بعنوان "من الخطاب الملكي إلى الاستجابة: خيارات الأردن في مواجهة التحولات الإسرائيلية والإقليمية" بمشاركة نخبة من السياسيين والخبراء والأكاديميين، إذ تستفيد الورقة من الآراء والأسئلة المطروحة خلال الجلسة، إلى جانب مصادر بحثية ووثائق ذات صلة، لبناء تحليل وتقدير خيارات المرحلة المقبلة.