عين غزال .. عندما تكلم الحجر عن أول مجتمعات الأردن
د. بركات النمر العبادي
18-10-2026 02:14 PM
السردية الاردنية / تسلسل (3)
إذا كانت الزراعة قد غيّرت علاقة الإنسان بالأرض، فإن عين غزال تكشف لنا كيف بدأت تلك العلاقة تتحول إلى مجتمع. فعلى مسافة قريبة من عمّان، تقوم واحدة من أهم المستوطنات المعروفة من العصر الحجري الحديث في بلاد الشام. وقد بدأت الاستيطانات في عين غزال خلال الألف الثامن قبل الميلاد تقريباً ، واستمرت قروناً طويلة ، وشهد الموقع مراحل متعاقبة من النمو والتغير الاجتماعي والثقافي (Rollefson, 1998).
هنا لا نتعامل مع آثار مبعثرة لإنسان عابر، وإنما مع مجتمع امتلك مساكن، وممارسات اقتصادية، وطقوساً، ورموزاً، وعلاقات اجتماعية تشير إلى درجة متقدمة من التنظيم بالنسبة إلى عصره. ولهذا فإن عين غزال ليست حجارة صامتة ، بل إنها ذاكرة اجتماعية مدفونة تحت تراب الأردن.
كان الإنسان النيوليتي في عين غزال يعيش في مجتمع مستقر يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية الحيوانات ، مع استمرار الاستفادة من موارد الصيد وجمع النباتات البرية ، وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الموقع شهد نمواً سكانياً وتوسعاً عمرانياً خلال مراحله المختلفة (Rollefson & Simmons, 1984).
وهذا النمو لم يكن مجرد زيادة في عدد السكان. فكلما ازداد عدد أفراد المجتمع، ازدادت الحاجة إلى تنظيم العلاقات، وتقسيم العمل، وإدارة الموارد، والتعامل مع مسائل الدفن والطقوس والذاكرة الجماعية. وهنا يبدأ المجتمع في إنتاج ما هو أكثر من الغذا ، حيث يبدأ في إنتاج النظام الاجتماعي ، واصبح البيت... أكثر من جدران .
تكشف بقايا المساكن في عين غزال عن أن البيت أصبح وحدة أساسية في حياة الإنسان المستقر، لكنه لم يكن مجرد مكان للنوم ، فالمسكن كان جزءاً من تنظيم الحياة اليومية، ومن تقسيم العمل، ومن تربية الأطفال، وحفظ الأدوات والمواد الغذائية، وربما من ممارسة بعض الأنشطة الاجتماعية والرمزية. وهنا تظهر أهمية الانتقال من المأوى المؤقت إلى المسكن المستقر.
فالبيت يربط الإنسان بالمكان، ويجعل للمجتمع حدوداً مكانية واضحة، ويخلق بيئة تنتقل فيها المعرفة والخبرة من جيل إلى آخر. إنها إحدى البدايات البعيدة لما يمكن تسميته الاستمرارية الاجتماعية. وعندما يصبح المجتمع بحاجة إلى التعاون و إن الزراعة ليست عملاً فردياً دائماً ، بل عملا جماعيا .
فإنتاج الغذاء وتخزينه ورعاية الحيوانات وإدارة الموارد تحتاج إلى أشكال مختلفة من التعاون. ومع اتساع المستوطنة، يصبح التعاون أكثر أهمية، وكذلك الحاجة إلى قواعد تنظم العلاقات بين أفراد الجماعة.
ولا يمكننا أن نعرف بدقة شكل السلطة السياسية في عين غزال، أو أن نسقط عليها مفاهيم الدولة الحديثة؛ فالأدلة المتاحة لا تسمح بمثل هذا الاستنتاج. ولكن الآثار تسمح لنا بالقول إن المجتمع امتلك درجة من التنظيم والتنسيق الاجتماعي ظهرت في نمط السكن، وفي الممارسات الاقتصادية، وفي التعامل مع الموت والرموز والطقوس (Kuijt, 2008).
وهذه نقطة مهمة في قراءة التاريخ:
واننا لا نحتاج إلى اختراع مؤسسات لم يثبتها الأثر، كي ندرك أن المجتمع كان منظماً. اما فيما يخص الذاكرة الجمعية حيث تبين ان أكثر الجوانب إثارة في عين غزال الممارسات المرتبطة بالموت والدفن.فقد كشفت التنقيبات عن جماجم بشرية جرى التعامل معها بطرق خاصة، إضافة إلى أدلة على ممارسات دفن وإعادة دفن تعكس علاقة معقدة بين الأحياء والموتى (Kuijt, 2008).
وهذا يكشف جانباً مهماً من تطور المجتمع. فالإنسان لم يعد يتعامل مع الموت باعتباره نهاية فردية فقط؛ بل بدأت الذاكرة الجماعية تمنح الموتى مكاناً في عالم الأحياء. هنا تظهر واحدة من أقدم صور الذاكرة الاجتماعية. فالمجتمع الذي يتذكر موتاه، ويقيم لهم طقوساً، ويحفظ رموزهم، هو مجتمع بدأ ينظر إلى نفسه باعتباره امتداداً عبر الزمن، وليس مجرد مجموعة أفراد تعيش في اللحظة الراهنة.
تماثيل عين غزال ، واحدة من أشهر مكتشفات الموقع: التماثيل الجصية البشرية. وقد اكتُشفت مجموعات من هذه التماثيل، وهي مصنوعة من الجص، وتتميز بأحجام وأشكال بشرية لافتة، مع تفاصيل دقيقة للعيون والملامح والجسد. ويُرجح أنها ارتبطت بممارسات رمزية أو طقسية، وإن كانت الوظيفة الدقيقة لها لا تزال موضوعاً للبحث والتفسير العلمي (Rollefson, 1998).
ولا ينبغي أن نحول هذه التماثيل إلى قصة خيالية لا يسندها الدليل. لكن وجودها نفسه يخبرنا بشيء بالغ الأهمية:
كان الإنسان في عين غزال قادراً على إنتاج الرمز.
والرمز هو إحدى أدوات بناء المجتمع؛ لأنه يسمح للجماعة بالتعبير عن معانٍ مشتركة لا تختزل في حاجات الغذاء والمأوى. لقد بدأ الإنسان يرسم لنفسه صورة عن الجماعة، وعن الحياة، وعن الموت، وعن الأشياء التي تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.
في عين غزال المجتمع بدأ يصنع ثقافته ، فالثقافة لا تبدأ مع الكتابة. فالكتابة ظهرت بعد ذلك بآلاف السنين.ولكن الثقافة تبدأ عندما ينتج الإنسان رموزاً، وطقوساً، وعادات، وطرقاً مشتركة في العيش، ثم ينقلها من جيل إلى آخر.
ومن هذه الزاوية، تمثل عين غزال شاهداً مبكراً على أن المجتمع الأردني القديم لم يكن مجتمع بقاء فقط، بل مجتمعاً بدأ يصنع ثقافته ويعبر عن نفسه بالرمز والممارسة والذاكرة.
وهنا تبرز قيمة الموقع في السردية الأردنية.فالأرض التي نعيش عليها اليوم لم تكن هامشاً في تاريخ الإنسان؛ كانت جزءاً من واحدة من أقدم التجارب البشرية في الاستقرار والزراعة وتكوين المجتمعات.
فالفرد لم يعد يعيش منفرداً، والأسرة لم تعد وحدة مكتفية بذاتها تماماً؛ بل أصبحت جزءاً من جماعة تشترك في المكان والموارد والممارسات.
ومن هنا يمكن فهم التطور التدريجي من: الفرد → الأسرة → الجماعة → القرية → المجتمع.
وهذا ليس خطاً ميكانيكياً أو متشابهاً في جميع المجتمعات، لكنه يمثل أحد الاتجاهات المهمة التي تكشف عنها دراسة المجتمعات الزراعية المبكرة.
عين غزال في الذاكرة الأردنية
إن قيمة عين غزال بالنسبة إلى الأردن المعاصر لا تكمن فقط في عمر الموقع أو في جمال تماثيله. ولكن قيمتها الأعمق أنها تضع الإنسان الأردني المعاصر أمام حقيقة تاريخية بسيطة وعميقة:
هذه الأرض عرفت المجتمع قبل أن تعرف الدولة.
عرفت الأسرة، والعمل، والزراعة، والقرية، والرمز، والطقس، والذاكرة. وعرفت الإنسان وهو ينتقل من مجرد السكن في الأرض إلى بناء حياة اجتماعية فيها.
وهنا يلتقي التاريخ مع أحد المعاني التي يوليها الفكر المحافظ أهمية خاصة: أن المجتمع ليس اختراعاً للحظة سياسية، وإنما بناء تراكمي يتشكل عبر الزمن، وتنتقل فيه الخبرة والقيم والرموز من جيل إلى جيل. ولا يعني ذلك أن مجتمع عين غزال هو ببساطة أصل المجتمع الأردني الحديث، فالفاصل الزمني والتغيرات السكانية والثقافية الهائلة تمنع مثل هذا التبسيط؛ وإنما يعني أن تاريخ هذه الأرض شهد منذ عصور سحيقة محاولات بشرية لبناء الاستقرار والجماعة والمعنى.
ربما لم يعرف سكان عين غزال أنهم سيتركون بعد آلاف السنين رسالة إلى أحفاد بعيدين. لكنهم تركوا البيوت. وتركوا الأدوات. وتركوا القبور. وتركوا التماثيل. وتركوا وراءهم آثار مجتمع بدأ يفهم أن الإنسان لا يعيش بالطعام وحده، وإنما يحتاج إلى الانتماء والذاكرة والرمز والجماعة.
ولهذا، حين نتأمل حجارة عين غزال اليوم، فإننا لا نرى بقايا قرية قديمة فحسب. نحن نرى لحظة من لحظات التحول الكبرى في تاريخ الإنسان: حين أصبح الإنسان ساكناً في الأرض، وصار المجتمع ذاكرة، وصار للذاكرة رمز.
ومن هنا تستمر الحكاية الأردنية...
من القرية إلى المدينة، ومن المجتمع إلى التنظيم ،ومن الاستقرار إلى الحضارة.
فالحجر الذي حفظ ذاكرة عين غزال، كان يحفظ أيضاً واحدة من أقدم صفحات قصة الإنسان على أرض الأردن.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة
حزب المحافظين الا حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة ردني
الأمين العام المساعد للتثقيف الحزبي