رواية "حيث يسكن الجنرال" للكاتب زياد محافظة
26-10-2026 04:12 PM
عمون - قراءة سليم النجار - في امتداد الزمن داخل الفضاء الروائي، إلى جانب فضاء الشخصيات، نجد أن ما يجمعهما في هذا المكوّن الثالث، ضمن تداخل الخطابات، هو امتداد الأسئلة التي يمكن طرحها. وأول هذه الأسئلة: هل المطلوب من فن الرواية أن تكون وظيفته البحث عن صور جمالية وأخلاقية وسياسية؟ أما السؤال الثاني: فما الواقع الذي يجعل الرواية مضطرة إلى تبرير وجودها من خلال الدعوة إلى قيم أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية؟ أم أن أهميتها تكمن في تحقيق الجمال وإنتاج المتعة الجمالية؟ والسؤال الثالث، وهو سؤال كلاسيكي: هل الفن للفن؟
هنا ينبغي توخي الدقة والابتعاد عن الوعظ والتلقين. ومن خلال ترابط الحكاية داخل الرواية على مستويات عدة، تبقى هذه الأسئلة مشروعة، ولا سيما على مستوى تطور الحالة النفسية لشخصيات الرواية. وهنا نقف قليلًا لنتساءل: ما علاقة خطاب رواية «حيث يسكن الجنرال» بالواقع المعاصر، أو بما يُسمّى عادةً «الأيديولوجي» في الخطاب؟
ويمكن تناول هذه العلاقة من خلال الربط بين عناصر الخطاب الأيديولوجي: الكاتب، والنص، والقارئ، وفق المحاور الآتية:
• بناء الخطاب.
• الراوي والخطاب.
• الأسئلة التي طرحناها في بداية المقال.
إن الخطاب بنية تقوم على عناصر الاختلاف والائتلاف، وهذه البنية تمنح تلك العناصر طابعها التفكيكي، لإبراز كيفية اشتغال الحدث وترابط مكوّنات الحكاية.
ومن خلال هذه العلاقة يتبيّن لنا أن الخطاب يبني خصوصيته مع الكاتب، الذي يسعى إلى الانفصال، قدر الإمكان، عن الراوي، وإتاحة المجال له للكشف عن مكنونات الحكاية بصورة مستقلة، بعيدًا عن حضور الكاتب المباشر. ونجد ذلك في المقطع الروائي التالي: «مهمتي أن أبقي الحقيقة طيّ الكتمان، وسأحدثكم عن شيء من هذا بعد قليل» (ص 7).
تُبرز رواية «حيث يسكن الجنرال» للكاتب زياد أحمد محافظة، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، في طبعتها الثانية عام 2026، حضورًا ذاتيًا للراوي في الخطاب الروائي، وهذا ما نراه بوضوح حين يسرد: «لأمحو مجددًا ذاك الماضي الذي ظننت أنني قذفت به فوق الأطلسي» (ص 17).
هذه الإشارة الدالة تبيّن لنا اشتغال الراوي على بناء خطابه انطلاقًا من موقف يتصل برؤية الكاتب. فالموقف من الحكاية، وإن بدت تقليدية، يكشف لنا، بوصفنا متلقين، عن اختلاف في مواجهة السائد في الرأي العام، والتشابه الذي تستسلم له العقول الكسولة.
هذا الإطار يدفعنا إلى القول بوجود تداخل بين الراوي والكاتب في بعض تفاصيل الحكاية، كما نلحظ في المقطع التالي: «طالما أنك قررت التخلي عن الماضي، فعليك أن تجيد النسيان» (ص 31).
إن تداخل الراوي والكاتب في بناء خطاب مشترك يبيّن لنا بوضوح أن النص الروائي يتجاوز، من خلال هذا الانزياح، بعض أنماط السرد التقليدية وخلفياتها النصية، التي غالبًا ما تحمل في طياتها صيغًا إنشائية مألوفة.
انطلقنا منذ بداية المقال من أسئلة مشروعة تتعلق بفن الرواية، ويمكن اختزالها في سؤال واحد: هل تسرد الرواية واقعنا الاجتماعي والاقتصادي بعيدًا عن توظيف الصور الجمالية؟
بالتأكيد، لا يمكن استبعاد الصور الجمالية من الرواية؛ ذلك أن هذه الصور تحرّك الواقع الراكد، كما أنها تبني علاقة إشكالية بين الرواية والقارئ.
إن هذا التصور يخلق علاقة بين القارئ والواقع، لكنه يبقى مرهونًا بفهم مقاصد الراوي واستيعابها، بوصفه حاملًا لرؤية تتصل بالكاتب. وعلى سبيل المثال، نقرأ: «لسنوات طويلة كانت بزّتي العسكرية، التي يزداد ثقلها عامًا بعد عام على وقع النياشين والأوسمة النحاسية البرّاقة، اللباس اليومي الأحب إلى قلبي» (ص 39–40).
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة حكايتين، لا حكاية واحدة؛ فالأولى تتحدث عن الجنرال، والثانية تسرد حكاية الخوف والبحث عن حياة مختلفة، من خلال تحطيم تصورات الحياة الأولى. فالحكاية الأولى تكشف خطابًا سائدًا في واقعنا، يتكئ على أنماط تقليدية من التفكير والسلوك، أما الحكاية الثانية فتبحث عن حياة جديدة، بعيدة عن ثقافة الخوف والاعتياد عليه.
بهذا، ينزاح الخطاب الروائي في رواية «حيث يسكن الجنرال» عن السائد السردي، ويخلق خصوصيته على مستوى الكتابة الروائية: «ما تزال صورة منى وهي تجلس مبتسمة ومشرقة تشرب القهوة بجانبي، مطبوعة في مخيلتي» (ص 44).
لكن تحطيم هذا السائد في الكتابة الروائية، ضمن إطار الحكي والتعبير عنه بمستويات مختلفة، يجعلنا نرى خلخلة في البناء الروائي، حيث يُفكَّك النص ثم يُعاد تركيبه وفق رؤية الراوي، من دون أن ينفصل عن رؤية الكاتب. وكلاهما يسهم في صناعة نص يدفعنا إلى التساؤل عما يبدو مؤقتًا في حياتنا، بينما يكشف عن امتداده العميق في ذواتنا: «عن نفسي، أستطيع القول وبوضوح، أنني عرفت وخبرت ثلاث شخصيات تتعارك وتتصايح وتتطاحن بداخلي» (ص 60).
إن التداخل المستمر واشتغال هذا التوظيف داخل النص يشكّلان سمة مهيمنة في الرواية. وهذا التداخل يضعنا، بوصفنا قرّاء، أمام حالة من الالتباس المقصود في تحديد الشخصيات الروائية، وفي الإجابة عن سؤال: من هو الجنرال؟
فالجنرال، في كثير من المشاهد الروائية، يبدو كأنه أنا وأنت وأي قارئ آخر، وليس المقصود به الجنرال المعروف في وعينا وثقافتنا فحسب، بل قد يتجاوز مدلوله العسكري المباشر إلى صورة رمزية تسكن الذات الإنسانية وتتحكم في مخاوفها وتصوراتها: «نزلت درجات السلم بحذر وفتحت الباب، واندفعت نحوه. فتحت ذراعي آملًا في احتضانه، هكذا خيّل إليّ» (ص 106).
لقد دأب الكتّاب والباحثون في الخطاب الروائي على البحث عن تعدد اللغات والأصوات التي يمدّنا بها العالم الروائي، من خلال تناقض الشخصيات واختلاف بيئاتها ولغاتها الخاصة، بما يجعل كل شخصية تنتمي إلى فضائها الاجتماعي والثقافي، ويمنحها صوتًا مميزًا داخل الخطاب الروائي. ويتجلى ذلك في المقطع التالي: «شيء كلامها شرخني في الصميم. لأول مرة تنتابني مشاعر كتلك التي شعرت بها تنمو داخلي على وقع كلماتها» (ص 142).
ومن خلال هذا التنوع، يبقى لصوت الكاتب تميّزه، إذ يدفعنا إلى إعادة طرح السؤال: من هو الجنرال؟
هل هو نحن؟ أم أنت؟ أم أنه ذلك الخوف الكامن في أعماقنا من حياة لم نعتد عليها؟
ولعل هذا السؤال هو ما يمنح الرواية بعدها الإنساني؛ فالجنرال لا يعود مجرد شخصية تنتمي إلى عالم السلطة والعسكر، بل يتحول إلى صورة للخوف الذي يسكن الإنسان، وللسلطة التي يمارسها الماضي على الحاضر، وللصراع بين ما اعتدناه وما نرغب في أن نكونه.
وهكذا، تصبح رواية «حيث يسكن الجنرال» محاولة سردية للكشف عن ذلك الجنرال الذي قد يسكن داخل كل واحد منا، ويمنعنا من مغادرة حياتنا القديمة، لا لأن الحياة الأخرى مستحيلة، بل لأننا نخشى أن نعيشها.