facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الفراغ الذي يتكلم بالرصاص


لانا أبو سنينة
26-10-2026 04:13 PM

حين تضيق السياسة عن استيعاب الإنسان قد تتسع المساحات التي تجد فيها الأفكار المغلقة موطئ قدم فالسياسة ليست مؤسسات وتشريعات فحسب بل هي المجال الذي يمارس فيه الإنسان حريته ويختبر قدرته على الاختلاف والمشاركة وصناعة مصيره وحين تتراجع هذه المساحة تضعف إحدى الوسائل التي تتيح للأفراد التعبير عن تطلعاتهم والتأثير في واقعهم

أعادت الجريمة التي شهدتها كنيسة حمود في الكرك خلال تشييع جنازة وارتفع عدد شهدائها إلى تسعة طرح أسئلة تتجاوز المسؤولية الجنائية المباشرة إلى طبيعة البيئة التي يمكن أن تنمو فيها الأفكار المتطرفة داخل المجتمع فمثل هذه الأحداث تستدعي إلى جانب العدالة والمحاسبة نقاشا أوسع حول قدرة المؤسسات والمجال العام على مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز قيم المواطنة والسلم الأهلي

تبدأ إحدى صور التطرف حين يتحول اليقين إلى سلطة تعطل التفكير وتصير الهوية أداة للإقصاء بدلا من أن تكون إطارا للانتماء وحين تصبح الإساءة إلى معتقدات الآخرين والتشكيك في حقوقهم أمرا مألوفا تضعف الحواجز الأخلاقية التي تحمي المجتمع من الكراهية ولا تنفصل هذه التحولات عن البيئة التي يعيش فيها الأفراد فحين تضيق الحريات العامة وتتراجع فرص المشاركة السياسية قد تتعمق مشاعر الاغتراب لدى بعضهم وتجد الخطابات المتطرفة في الحاجة إلى الاعتراف والانتماء مدخلا للاستقطاب

والفراغ السياسي في هذا السياق لا يعني غياب الدولة بل انحسار المجال الذي يستطيع فيه الإنسان التعبير والمشاركة والتأثير وهو ليس سببا حتميا للتطرف ولا تفسيرا مؤكدا لما جرى في الكرك لكنه قد يضعف قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته سلميا ويترك بعض المساحات للأفكار المغلقة كي تقدم نفسها بديلا عن الفعل المدني

والكرك تعرف معنى العيش المشترك من تفاصيل حياتها اليومية ففي أحيائها يتقاسم الجيران الخبز والملح ويقف المسلم في عزاء جاره المسيحي كما يقف صاحب المصاب وتفتح البيوت أبوابها في الأعياد دون أن يكون الاختلاف الديني حاجزا بين أهلها وفي الكرك فقط يقال إن الخوري من المعايطة في تعبير تختصر فيه الذاكرة المحلية عمق التداخل بين الانتماء الديني والاجتماعي وهذا الإرث ليس مجرد شعار يستدعى في المآتم بل حياة عاشها الناس جيلا بعد جيل غير أن حمايته لا تتحقق باستدعائه عند كل مأساة وإنما بترسيخ المواطنة المتساوية ومواجهة خطاب الكراهية وضمان أن يبقى الاختلاف الديني جزءا طبيعيا من نسيج المجتمع لا سببا للتشكيك في الانتماء إليه

وتبقى المسؤولية الجنائية عن الجريمة فردية ولا يجوز تحميل أي عائلة أو عشيرة أو منطقة وزر أفعال مرتكبيها لكن رفض التعميم لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للإنكار أو إلى هروب من مراجعة الأفكار والممارسات التي تسمح للكراهية بالتجذر

إن حماية السلم الأهلي لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها بل تحتاج إلى مؤسسات تحمي الحقوق وتتيح المشاركة وإلى مجتمع يمتلك حرية التعبير وشجاعة مواجهة الكراهية فالأمن يحمي الأرواح ويلاحق الجناة فيما تسهم العدالة والمواطنة والفضاء السياسي المفتوح في تعزيز الثقة وإتاحة مسارات سلمية للاختلاف

لقد فقدت تسع عائلات أحبتها في جريمة لا يبررها أي ظرف سياسي أو اجتماعي وإنصاف الضحايا يقتضي المحاسبة كما يقتضي نقاشا مسؤولا حول الظروف التي قد تستغلها الخطابات المتطرفة فحين تضيق مساحة الكلمة وتتراجع فرص المشاركة يخسر المجتمع بعض الأدوات التي يحتاجها لمواجهة التعصب

وحين يتكلم الفراغ بالرصاص تكون المأساة قد بدأت قبل سماع الطلقة الأولى





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :