facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حمود مربط خيلنا


منى جمال أبو حمور
26-10-2026 04:18 PM

يحكي أهل حمود أن قريتهم لم يدخلها رجال الأمن يوماً لفض مشاجرة بين أهلها. ما كانوا يحتاجون إلى ذلك، لأن الوجيه كان يحكم بالمحبة قبل أن يحكم بالقانون. هذه رواية متوارثة، لكنها تقول شيئاً عن روح المكان.

وهم يقولون عن أرضهم: "حمود مربط خيلنا". الأرض هنا ذاكرة عائلة، لا قطعة تُباع وتُشترى.

وفي بيوتهم الحجرية المتلاصقة طاقات صغيرة بين الجدار والجدار، يمرّ منها الخبر والسلام: ولادة جديدة، أو وفاة، أو سؤال عن حال جار. جدران تفصل الغرف ولا تقطع الصلة بين الناس. وقبل مئة عام تقريباً، سنة 1922، بنوا مدرستهم بأموالهم وهم لا ينتظرون أحداً، لأنهم عرفوا أن العلم لا يُستجدى. ومن قرية صغيرة مثل هذه خرجت أسماء في الأدب والفكر والنضال، يعرفها العرب وإن لم يعرفوا الطريق إلى حمود.

لم يسأل أحد في هذه القرية جاره عن دينه ليقرر هل يشاركه الفرح أو العزاء. كان يكفي أن يكون جاراً.

لن أتحدث هنا عمّن فعل ذلك ولا عن أسبابه، فهذا شأن التحقيق والقضاء. سأتحدث عن الذين كانوا هناك، وعن الفكرة التي حاول الرصاص أن يقتلها.

نقول دائماً إننا نتعايش، وأقول لكم بصدق إن هذه الكلمة تضيق علينا. يتعايش الغرباء حين تجمعهم الجغرافيا، وتتعايش الأمم المتجاورة بعد حروب طويلة بالاتفاقات والحدود. أما أنا فنشأت في وطن حين تنكسر أرجل الطاولة نمسكها معاً. نحن لا نتعايش، نحن نعيش؛ وجودنا بعضنا في بعض.

الإنسان أولاً، والحياة ليست حقاً يمنحه أحد لأحد.

ليست المسألة أيّ دين نؤمن به، بل أيّ إنسان نكون. ليست المشكلة في اختلاف المعتقدات، بل في أن يتوهّم إنسان أن اختلاف الآخر يمنحه سلطة عليه، أو أن يجيز لنفسه أن ينصّبها حكماً على حياة غيره وموته. بأيّ حق يقرّر أحدهم أن إنساناً آخر لا يستحق الحياة؟ ومن أين يستمدّ إنسان حقاً في إنهاء حياة إنسان لمجرد أنه يختلف معه؟

لا يملك أحد هذه السلطة، ولا يمنح الاختلاف أحداً حق القتل. فالحياة ليست امتيازاً تمنحه جماعة لأبنائها وتحجبه عن الآخرين، وليست جائزة تُمنح لمن يشبهنا وتُسلب ممّن يختلف عنا. إنها حق أصيل لكل إنسان، لا يحتاج إلى تبرير ولا إلى شهادة انتماء.

قد تختلف صلواتنا، وتتباين قناعاتنا، وتتعدد الطرق التي نفهم بها العالم، لكن لا شيء من ذلك ينتقص من إنسانية أحد. وحين نسمح للكراهية بأن تجعلنا نرى في الآخر أقلّ من إنسان، نكون قد خسرنا شيئاً جوهرياً في أنفسنا قبل أن نؤذيه. فالإنسانية ليست شعاراً نرفعه في أوقات الحزن، بل موقف نختبره حين نختلف، وميزان نحتكم إليه حين تغرينا الكراهية بأن نتجاوز حدودنا.

الإنسانية ليست تفصيلاً في حياتنا، بل الأساس الذي لا تستقيم الحياة من دونه. فما يجمعنا أعمق من أن يفرّقه رصاص: نبكي بنفس الدمع، ونحمل جنائزنا بنفس الأيدي، ونحتاج إلى الأمان والمحبة والكرامة، مهما اختلفت أسماؤنا ومعتقداتنا.

ولا يكفي أن نحزن اليوم ثم ننسى غداً، كما لا يكفي أن نتغنّى بإرثنا الجميل من دون أن نحميه. فالإرث ليس حجارة البيوت القديمة وحدها، ولا حكايات الآباء والأجداد التي نرويها باعتزاز؛ الإرث أيضاً هو ما نفعله اليوم، وكيف نتعامل مع جيراننا، وما نسمح له أن يسكن كلماتنا وبيوتنا وقلوب أطفالنا.

علينا أن نحكي قيمنا ونعيشها، وأن نُبقي حاضرنا امتداداً لإرثنا الطيب، لا مجرد حنين إليه. أن نمنع الكلمة قبل أن تتحول إلى إهانة، وألا نضحك على نكتة تُذلّ إنساناً بسبب اختلافه، وألا نتشارك منشوراً يزرع الكراهية، وأن نعلّم أطفالنا أن الاختلاف ليس خطراً، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ. علينا أن نروي لهم كيف كان الجار سنداً لجاره، وكيف كانت أبواب البيوت وقلوب أهلها مفتوحة للفرح والعزاء، وأن نثبت لهم بأفعالنا أن هذه القيم ليست حكايات من الماضي، بل مسؤولية نتحملها في الحاضر.

فالأوطان لا تحميها الجيوش وحدها، بل تحميها أيضاً بيوت تعرف أن بيت الجار امتداد لها، وأمهات يربّين أبناءهن على احترام الإنسان، ومجتمعات لا تسمح للكراهية بأن تعيد رسم حدودها.

لأهل حمود أقول: قريتكم ليست وحدها، فكل بيت في الأردن حزين معكم. وللمصابين والمفجوعين أقول: دعواتنا تحرسكم، وقلوبنا تحيط بكم.

وأخيراً، أعود إلى حمود، إلى الاسم الذي يحمل أكثر من حكاية، وإلى العبارة التي تختصر علاقة أهلها بأرضهم وناسهم: حمود مربط خيلنا.

فمربط الخيل ليس مكاناً تعود إليه الخيل فحسب، بل موضع الأمان والألفة والجذور؛ المكان الذي تعرف فيه طريق العودة، مهما ابتعدت بها المسافات. وحمود، في معناها الأعمق، ليست قرية أهلها وحدهم، بل صورة لوطن نريد أن يبقى مربطاً لقيمنا، وملاذاً لإنسانيتنا، وبيتاً يتسع لنا جميعاً.

نقول حمود مربط خيلنا لأننا نريد أن تبقى هذه الأرض مربطاً للمحبة لا للكراهية، وللجيرة لا للعداوة، وللحياة لا للموت. لأننا لا نريد أن نورّث أبناءنا أرضاً فقط، بل نريد أن نورّثهم المعنى الذي يجعل لهذه الأرض قيمة: أن الإنسان فيها ليس غريباً عن أخيه، وأن اختلافه لا يسلبه حقه في الحياة، وأن كرامته لا تحتاج إلى إذن من أحد.

ستمرّ هذه الليلة الثقيلة، لكن مسؤوليتنا تبدأ بعدها: أن نحمي ما كاد الرصاص أن ينتزعه منا، وأن نُبقي جرس الكنيسة وأذان المسجد يملآن سماءً واحدة، وأن نروي لأبنائنا حكاية وطن لم يكن أهله يوماً طوائف متجاورة، بل أهلاً يجمعهم بيت واحد.

حمود مربط خيلنا؛ لأن الأرض التي تحفظ أهلها في ذاكرتها لا تستحق أن نحفظها بالحجارة وحدها، بل بأن نصون الإنسان الذي يمنحها معناها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :