الإرهاب .. لمصلحة مَن يُصنع الخوف؟
أ. د. هاني الضمور
27-10-2026 01:55 PM
* حين يتحول الفقر والجهل والعنصرية والتطرف إلى أدوات لاغتيال الإنسان والأوطان
ليست أخطر جرائم الإرهاب تلك التي تنتهي بانفجار، بل تلك التي تبدأ بفكرة مسمومة، وتنمو في صمت، حتى يصبح القتل وجهة نظر، والكراهية عقيدة، والخوف وسيلة للسيطرة على المجتمعات. فالإرهاب لا يبدأ دائمًا بسلاح، بل قد يبدأ بعقل أُغلق أمام الحقيقة، أو كرامة أُهينت، أو مظلمة استغلها متطرف، أو خطاب عنصري أقنع إنسانًا بأن حياة الآخرين أقل قيمة من حياته. وهنا يبرز السؤال الأخطر: من يصنع بيئة الإرهاب؟ ومن يستثمر في الخوف؟ ولمصلحة من تتحول معاناة الإنسان إلى أداة لتدمير الإنسان؟
الفقر لا يحمل سلاحًا، والجوع لا يزرع قنبلة، والبطالة لا تصنع إرهابيًا بالضرورة. لكن حين تُغلق أبواب العمل، وتتراجع فرص الحياة الكريمة، قد يجد تجار التطرف في اليأس فرصة لاستقطاب بعض الشباب، فيبيعونهم الوهم باسم الكرامة والانتماء والخلاص. فالمشكلة ليست في الفقر ذاته، بل فيمن يستغل الفقر ليصنع منه وقودًا للعنف. أما الجهل، فليس مجرد غياب التعليم، بل غياب التفكير النقدي وقبول الاختلاف. فقد يحمل المتطرف أعلى الشهادات، لكنه يعجز عن احترام إنسان يخالفه الرأي أو العقيدة. وأخطر ما تفعله الجماعات المتطرفة أنها لا تكتفي بتقديم إجابات مضللة، بل تصادر حق الإنسان في السؤال، وتحول الطاعة العمياء إلى فضيلة، والتعصب إلى بطولة.
وفي المقابل، يُرتكب ظلم آخر حين يُختزل الإرهاب في الأمراض النفسية أو الجسدية. فالمريض ليس إرهابيًا، والإعاقة ليست سببًا للعنف، والغالبية العظمى من المصابين بالاضطرابات النفسية لا يمارسون الإرهاب. لكن العزلة والتهميش وغياب الرعاية قد تخلق معاناة تستغلها بعض الجماعات المتطرفة. فالمريض يحتاج إلى علاج، والمهمش إلى إنصاف، أما المحرض على القتل فيحتاج إلى مساءلة القانون. وتبقى العنصرية أحد أخطر منابع الكراهية؛ فهي لا تبدأ بالقتل، بل بتجريد الإنسان من إنسانيته، وتصنيفه وفق لونه أو دينه أو أصله. وحين يتحول الاختلاف إلى عداوة، يصبح الاعتداء على الآخر قابلًا للتبرير في عقل المتطرف.
أما التنظيمات الإرهابية، فتتقن سرقة المعاني النبيلة؛ تتحدث عن العدالة وتمارس الانتقام، وترفع شعارات الحرية وتصادر حياة الآخرين، وتدّعي حماية الهوية بينما تدمر المجتمعات التي تزعم الدفاع عنها. لكن خلف مشاهد الدم سؤالًا لا يجوز تجاهله: من يمول الإرهاب؟ ومن يسلحه؟ ومن يستفيد من استمرار الفوضى؟ قد تستفيد تنظيمات متطرفة وشبكات إجرامية وأطراف تسعى إلى النفوذ من انهيار الأمن وانتشار الخوف. غير أن كشف المسؤولين الحقيقيين يتطلب أدلة وتحقيقات، لا اتهامات عشوائية أو أحكامًا مسبقة.
والإرهاب لا يقتل ضحاياه وحدهم؛ بل يقتل الطمأنينة في قلوب الأحياء، ويستنزف الاقتصاد، ويهدد التعليم، ويمزق النسيج الاجتماعي. وقد يحقق أخطر أهدافه حين يدفع المجتمعات إلى الرد على الكراهية بكراهية مماثلة، وعلى جرائم الأفراد باتهام جماعات بأكملها. إن مواجهة الإرهاب لا تتحقق بالقوة الأمنية وحدها، رغم ضرورتها، بل تبدأ ببناء الإنسان: تعليم يحرر العقل، وعدالة تصون الكرامة، واقتصاد يوفر الفرص، ورعاية صحية ونفسية تحمي المحتاجين، وإعلام يواجه التحريض بدل إعادة إنتاجه. فالأمن يحمي المجتمع من الجريمة، لكن العدالة والتعليم والتنمية تساعد على حماية مستقبله من التطرف.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به العالم ضميره: لمصلحة من يُترك الفقر بلا معالجة، والجهل بلا مواجهة، والعنصرية بلا محاسبة، والتطرف بلا تفكيك فكري؟ ليست هناك إجابة واحدة تفسر كل إرهاب، لكن الحقيقة الثابتة أن الأبرياء يدفعون الثمن الأكبر، بينما يسعى مرتكبو العنف ومستغلوه إلى تحقيق مصالحهم على حساب حياة البشر. فالفقر يحتاج إلى فرص، والجهل إلى معرفة، والمرض إلى علاج، والظلم إلى عدالة، والعنصرية إلى مساواة، والتطرف إلى وعي ومحاسبة. وفي النهاية، ليست المأساة أن يموت الإنسان ضحية للإرهاب فحسب، بل أن ينجح الإرهاب في قتل إنسانيتنا ونحن ما زلنا أحياء. فمتى يدرك العالم أن حماية الإنسان قبل سقوطه ضحية، لا تقل أهمية عن ملاحقة من قتله؟