facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حرثون رودستر


عاطف أبوحجر
20-10-2026 02:53 PM

تخيّل أنك تسير في أمان الله، وفجأة تسمع زوامير السيارات خلفك، فتُخرج رأسك من النافذة وتصيح: «وين أروح أطير يعني؟!». يبدو أن شركة تسلا أخذت السؤال على محمل الجد، وقررت حل أزمة السير بطريقة لم تخطر على بال أحد.

وهكذا تم الكشف عن آخر صرعة، وأصبحت فكرة تسلا رودستر الطائرة حديثًا يثير الخيال، مثل الحرثون وأبو بريص؛ لكن الفرق أن هذين الكائنين يلتصقان بالأسطح مجانًا، أما السيارة فتحتاج إلى عشرة دافعات للغاز البارد وهيكل من ألياف الكربون، حتى تقنع الجاذبية بأنها ليست صاحبة القرار!

لم يعد العالم يكتفي باختراع وسائل نقل تسير على الأرض، وأخرى تحلّق في السماء، بل قرر أن يجمع بين الاثنين، وكأن الأرض لم تعد تتسع لأحلام الإنسان.

عندما شاهدت مقطع الكشف عن هذه الفكرة للمرة الأولى، شعرت أنني أعيش في زمن آخر؛ سيارة ترتفع في الهواء، وتؤدي حركات بهلوانية، ثم تعود إلى الأرض وفق تصورات تقنية تعتمد على أنظمة دفع مخصصة للطيران.

تذكرت على الفور «فرّيرة زمان أم الشلن»، تلك اللعبة التي كانت تتقلب وتدور في الهواء، فتخطف الأنظار وتثير دهشة الصغار والكبار.

وبينما كنت أتابع المشهد، خطر لي سؤال: إذا نجح الإنسان في جعل السيارة تطير، فهل سينجح أيضًا في جعل السائقين يتصرفون بعقلانية؟ وهل ستتجاوز المركبات الطائرة الأزمات المرورية، أم ستحمل معها إلى الأجواء عاداتنا الأرضية، من السرعة والتجاوز الخاطئ إلى التزاحم والمشاجرات على أولوية المرور؟

فالتكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، تستطيع أن تجعل المركبة تطير، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمنح سائقها أعصابًا باردة أو أخلاقًا مرورية!

وهنا تبدأ الحكاية؛ فقد ننجح في استيراد السيارة الطائرة قبل أن نتفق على المكان الذي ستقلع منه، والجهة التي سترخصها، والطريقة التي سنوقفها بها.

تخيّلوا أن مواطنًا أردنيًا اشترى سيارة طائرة، ودفع ثمنها مبلغًا يكفي لشراء شقة تطل على جسر عبدون، ثم اكتشف أنه يستطيع إدخالها إلى المملكة، لكنه لا يستطيع استخدامها في الشوارع، ولا التحليق بها في الأجواء، ولا حتى إيقافها أمام العمارة!

ولنتخيّل، على سبيل السخرية، أن السيارة أصبحت متاحة للبيع في الأردن، وأن الجهات المعنية وضعت التشريعات اللازمة، وأصبح المواطن قادرًا على قيادتها برًا وجوًا.

أول ما سيفكر فيه المواطن لن يكون زيارة وادي رم، ولا التحليق فوق البتراء، ولا الاستمتاع بمنظر عمّان من الأعلى، بل الهروب من أزمة السير!

فإذا علق عند إشارة الدوريات، قرر الإقلاع دون سابق إنذار. لكن الفرحة لن تدوم طويلًا؛ إذ قد يفاجأ برقيب سير طائر، يرتدي بدلة طيران نفاثة، ويقترب منه، ثم يُخرج جهاز المخالفات ويحرر له مخالفة تغيير المسار الجوي دون إعطاء إشارة، أو التجاوز الخاطئ!

وهكذا، بدلًا من الهروب من أزمة السير، نكون قد نقلناها من الشوارع إلى التحليق في الأجواء، وأصبحنا بحاجة إلى إشارات ضوئية معلقة بين الغيوم وكاميرات مراقبة جوية. وربما نسمع يومًا عن أزمة خانقة فوق الدوار الثامن، أو عن إغلاق مسرب جوي بسبب مركبة تعطلت في الجو، بعد أن علقت في شبكة الأسلاك الكهربائية، مثل طائرة ورقية أفلتت من يد طفل في يوم عاصف!

وأيضًا، نعرف جميعًا أن العثور على موقف للسيارة في بعض أحياء عمّان قد يحتاج إلى صبر طويل وعلاقة طيبة مع الجيران. فكيف سيكون الحال عندما تصبح السيارة قادرة على الطيران؟

ربما يقرر صاحبها، بعد جولة طويلة بحثًا عن موقف، أن يرفع مركبته إلى سطح العمارة.

وهكذا تتحول العمارة إلى معرض للمركبات الطائرة: سيارة فوق خزان المياه، وأخرى بجانب غرفة المصعد، وثالثة تحوم فوق بيت الدرج، في انتظار أن يخلي أحدهم مكانه!

وإذا كانت السيارة الطائرة تجمع بين القيادة على الطرق والطيران في الأجواء، فما نوع الرخصة التي يحتاج إليها سائقها؟ هل تكفي رخصة القيادة العادية، أم ينبغي أن يحصل على رخصة طيران، أم سنحتاج إلى فئة جديدة تجمع بين الاثنين؟

ربما تضطر الجهات المعنية إلى استحداث امتحان قيادة يتضمن أسئلة من نوع: ماذا تفعل إذا واجهت ازدحامًا مروريًا في الجو؟ وكيف تتصرف إذا دخلت مركبة أخرى إلى مسارك الجوي دون سابق إنذار؟ وما الإجراء الصحيح عند الهبوط الاضطراري فوق شارع مزدحم؟

وبعيدًا عن المبالغة الساخرة، تعكس فكرة المركبات الطائرة تطورًا تقنيًا مثيرًا، لكنها تطرح أسئلة كثيرة. فليس كل ما يمكن تصنيعه صالحًا للاستخدام في كل مكان، وليس كل ما يمكن استيراده قابلًا للتشغيل فورًا.

وفي الأردن تحديدًا، لن يقتصر التحدي على توفير مواقف للسيارات أو تحديد نوع الرخصة المطلوبة، بل سيمتد إلى بناء نظام متكامل يضمن ألا يتحول المجال الجوي المنخفض إلى نسخة معلقة من شوارعنا المزدحمة.

فإذا كانت بعض المركبات على الأرض تتجاوز الإشارات وتغلق التقاطعات وتتنافس على المواقف، فليس من المنطقي أن نفترض أن منحها القدرة على الطيران سيجعلها فجأة أكثر التزامًا وانضباطًا.

لكن السؤال الذي سيبقى قائمًا هو: هل ستتطور عاداتنا بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا؟

فإذا لم نتعلم احترام الدور، والالتزام بالقانون، والحفاظ على حقوق الآخرين، فقد نجد أنفسنا أمام أزمات سير جوية بدلًا من الأزمات الأرضية. وربما نحتاج إلى تطبيق إلكتروني يخبرنا بحالة السير في الجو، ويحذرنا من أزمة فوق الدوار السابع، أو من حادث اصطدام بين مركبتين طائرتين قرب الجامعة الأردنية!

وعندها لن يكون السؤال: هل ستطير السيارة أم لا؟ بل: هل سنستطيع التحليق بها دون أن نحمل معنا إلى السماء كل مشكلاتنا الأرضية؟

فالمشكلة، في نهاية المطاف، ليست في أن السيارة أصبحت قادرة على الطيران، بل في أن بعض السائقين ما زالوا يعتقدون أن الطريق ملك لهم وحدهم.

وإذا لم تتغير هذه العقلية، فلن تكون السيارة الطائرة وسيلة للهروب من الازدحام، بل مجرد اختراع جديد يتيح لنا أن نختلف ونتشاجر ونتجاوز بعضنا بعضًا... ولكن على ارتفاع مئة متر!

ففي الأردن، قد ننجح يومًا في جعل السيارات تطير، لكن الإنجاز الحقيقي سيبقى أن نتعلم كيف نسير على الأرض باحترام، قبل أن نطالب بحق التحليق في السماء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :