facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الديزل إلى مضيق هرمز .. صفقات الطاقة على حافة حرب عالمية


نيڨين العياصرة
13-10-2026 03:50 PM

تتجاوز صفقات الطاقة في لحظات الصراع حدود التجارة التقليدية لتصبح جزءًا من إعادة تشكيل النفوذ الدولي حيث تتحول شحنات الوقود ومسارات الملاحة إلى أدوات ضغط ومساومة وتكتسب الأرقام الاقتصادية دلالات سياسية تتصل بمستقبل النظام العالمي، ومن هنا تبدو صفقة الديزل الروسي المرتبطة بالتفاهمات الأمريكية الروسية أكثر من مجرد عملية توريد خصوصًا في ظل اضطراب الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة.

تشير الكميات المتداولة بشأن الصفقة التي تتضمن أكثر من 300 ألف طن من الديزل الروسي تليها 500 ألف طن خلال نوفمبر ثم مليون طن إضافي إلى تفاهمات تستحق القراءة من زاوية المصالح التي تحكمها.فهذه الكميات مهما بلغت قيمتها التجارية تظل محدودة أمام حجم استهلاك الأسواق العالمية، ما يجعل السؤال الأهم متعلقًا بالتوقيت والظروف السياسية المحيطة بها وبطبيعة الرسائل التي يمكن أن تحملها إلى أطراف الصراع.

تدرك واشنطن أن أمن الطاقة يمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد الأمريكي وقدرته على امتصاص الصدمات فيما تمتلك موسكو خبرة طويلة في توظيف مواردها الطبيعية لتعزيز موقعها التفاوضي، وعندما تلتقي الحاجة الاقتصادية مع الحسابات السياسية تتراجع الخطوط الفاصلة بين الخصومة والتعاون وتظهر العلاقات الدولية بصورتها الواقعية...شبكة من المصالح المتحركة التي تتقدم فيها البراغماتية على الشعارات.

ومن الخطأ قراءة أي تفاهم أمريكي روسي باعتباره مؤشرًا كافيًا على تقارب استراتيجي شامل كما أن استمرار المواجهة السياسية بين الدولتين لا يمنع نشوء تفاهمات محددة تفرضها ظروف السوق، فالدول الكبرى تستطيع إدارة التنافس في مسار، وحماية مصالحها الاقتصادية في مسار آخر، وقد تستخدم الاتفاقات التجارية لامتصاص الضغوط أو اختبار حدود التفاهم مع الخصوم، لذلك...تكتسب الصفقة أهميتها من السياق الذي جاءت فيه أكثر من حجم الوقود الذي تتضمنه.

لكن المشهد الأوسع يتشكل في الشرق الأوسط حيث تتقاطع الحروب مع أمن الطاقة والتجارة الدولية وتصبح الجغرافيا عاملًا حاسمًا في تحديد كلفة الصراع، فالمواجهات التي تبدأ في ساحة عسكرية قد تمتد آثارها إلى الموانئ ومحطات التصدير وخطوط الشحن ثم تنتقل إلى أسواق المال والغذاء والوقود، وفي عالم مترابط اقتصاديا تستطيع أزمة إقليمية أن تفرض أعباءً على دول تقع جغرافيًا خارج دائرة القتال لكنها تعتمد على استقرار طرق التجارة وتدفق الموارد.

ويحتل مضيق هرمز موقعًا بالغ الحساسية في هذه المعادلة نظرًا إلى دوره في عبور كميات كبيرة من النفط والغاز المسال إلى الأسواق العالمية، فيما يمثل باب المندب بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي وتؤثر في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب واسع في أحد الممرين يرفع المخاطر على شركات الشحن والتأمين ويدفع بعض السفن إلى تغيير مساراتها بما يضيف وقتًا وكلفة إلى حركة البضائع.

ولا تتوقف التداعيات عند ارتفاع أسعار النفط أو الوقود، فزيادة كلفة النقل تنعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع المستوردة وتضغط على معدلات التضخم وتضع البنوك المركزية أمام خيارات أكثر تعقيدًا في إدارة أسعار الفائدة، ومع ارتفاع كلفة الاقتراض تتقلص قدرة الحكومات والشركات والأسر على مواجهة الأعباء، وتصبح الحرب عاملًا إضافيًا في توسيع الفجوة بين الدخول والنفقات، وهكذا يدفع المواطن ثمنًا اقتصاديًا لصراع قد لا يعرف تفاصيله لكنه يشعر بنتائجه عند شراء احتياجاته الأساسية أو تسديد التزاماته الشهرية.

وفي هذا السياق تبدو المخاوف من اتساع المواجهة أكثر جدية كلما تعددت الجبهات وتزايدت الهجمات على المنشآت الحيوية والمطارات وممرات الملاحة، فكلما دخلت أطراف جديدة إلى دائرة الصراع ازدادت صعوبة الفصل بين الردود العسكرية والحسابات السياسية وارتفعت احتمالات الخطأ في تقدير ردود الفعل وقد تجد القوى الكبرى نفسها أمام مسارات تصعيد لم تكن ترغب في الوصول إليها لكنها تصبح جزءًا من معادلة فرضتها سلسلة من القرارات المتبادلة.

ومع ذلك فإن الحديث عن حرب عالمية يبقى احتمالًا تحكمه شروط وتوازنات معقدة وليس نتيجة حتمية لاتساع الصراعات الإقليمية، فالقوى الكبرى على الرغم من تنافسها، تدرك حجم الخسائر التي يمكن أن تترتب على مواجهة مباشرة بينها وتملك أدوات متعددة لإدارة التوتر وتجنب الانزلاق إلى صدام شامل غير أن خطورة المرحلة تكمن في تراكم الأزمات وتداخل ساحات القتال واتساع دائرة المصالح المتضررة بما يجعل أي حادث أمني كبير قابلًا لإنتاج تداعيات تتجاوز حدود المكان الذي وقع فيه.

أما الأردن.. فيقف أمام واقع جغرافي واقتصادي يفرض عليه التعامل مع التطورات بعقل استراتيجي يتجاوز ردود الفعل الآنية فاستقرار الإمدادات وأمن الحدود وحماية حركة التجارة وضبط الأثر المالي لأي اضطراب في أسعار الطاقة، كلها ملفات مترابطة تحتاج إلى متابعة دقيقة وسيناريوهات عملية وتزداد أهمية تنويع مصادر الطاقة ورفع كفاءة التخزين ومراجعة خطط الطوارئ وحماية القطاعات الأكثر تأثرًا بارتفاع كلفة النقل والوقود مع الحفاظ على هوامش مالية تسمح للدولة بالتعامل مع المفاجآت.

لكن التحوط الاقتصادي وحده لا يكفي فالدول التي تقع في محيط إقليمي مضطرب تحتاج أيضًا إلى تحالف اجتماعي متماسك، وإلى خطاب سياسي يشرح المخاطر بوضوح ويحافظ على ثقة المواطنين، وفي أوقات الأزمات يصبح التماسك الداخلي جزءًا من الأمن الوطني وتغدو قدرة الحكومة على التواصل الصادق مع المجتمع وتوزيع الأعباء بعدالة والاستماع إلى مخاوف الناس عنصرًا أساسيًا في حماية الاستقرار، كما تبرز الحاجة إلى دبلوماسية نشطة تحافظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف. وتدعم خفض التصعيد وتحمي المصالح الأردنية في بيئة إقليمية سريعة التغير.

إن التحدي الحقيقي أمام الأردن يتمثل في قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات داخلية والتعامل مع السياسة باعتبارها أداة لحماية الاقتصاد والمجتمع وليس ملفًا منفصلًا عنهما، فالحرب قد ترفع أسعار الطاقة لكنها تختبر أيضًا قدرة الدولة على ترتيب أولوياتها وتحديد مواطن الضعف وبناء التفاهمات التي تمنع الضغوط الخارجية من التحول إلى انقسامات داخلية.

من الديزل الروسي إلى مضيق هرمز وباب المندب تتكشف حقيقة عالم أصبحت فيه الطاقة جزءًا من معركة النفوذ وأصبحت فيه التجارة ساحة موازية للصراع وقد لا تكشف الصفقة الواحدة اتجاه النظام الدولي لكنها تضيء جانبًا من الطريقة التي تدير بها الدول مصالحها وسط الأزمات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :