الأمير الحسن يضع الإصبع على الجرح ويحذر: من يحمي الأردن من حروب الآخرين؟
د. بركات النمر العبادي
13-10-2026 04:41 PM
* لا تجعلوا الأردن ساحةً لحروب الآخرين
في حديثه الأخير مع «سكاي نيوز البريطانية»، المنشور عمون نيوز ، لم يتحدث سمو الأمير الحسن بن طلال عن غزة وحدها ، ولا عن الصراع العربي الإسرائيلي بوصفه أزمة عابرة. كان يتحدث عن منطقة تتآكل فيها الحدود بين الحرب والسياسة، وبين الأمن والسيادة، وبين الصراع وإدارة الصراع.
ولهذا جاءت عبارته عن «أسلحة التشتيت الشامل» لافتة ؛ فالمشكلة، في قراءته ، لم تعد في أسلحة الدمار وحدها ، وإنما في القدرة على تشتيت الانتباه عن أصل المشكلة ، وإغراق المنطقة في أزمات متلاحقة تجعل العالم يتعامل مع النتائج وينسى الأسباب.
والأهم أن الأمير وضع إصبعه على جوهر المأزق: الصراع لم يُحل ، بل أُدير.
ثلاثة عقود من المفاوضات والمبادرات والاتفاقات والتهدئات أثبتت أن إدارة الصراع ليست حلًا له. فحين يبقى الاحتلال قائمًا، وتستمر المستوطنات، ويتراجع الأفق السياسي، تصبح كل هدنة مجرد استراحة قبل جولة جديدة. ومن هنا تأتي أهمية تأكيده أن الضفة الغربية وقطاع غزة أراضٍ محتلة وليستا مجرد «أراضٍ متنازع عليها». فالمسألة ليست اختلافًا في المصطلحات، وإنما اختلاف في طبيعة القضية نفسها: هل نتعامل مع شعب يبحث عن حقوقه، أم مع نزاع حدودي بين طرفين؟ والأردن، بحكم موقعه وتاريخه، لا يستطيع أن يكون محايدًا تجاه القضية الفلسطينية، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع أن يسمح بأن يتحول إلى طرف في حرب لم يخترها.
وهنا تبلغ المقابلة أهم رسائلها.
حين يحذر الأمير من دخول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى المجال الجوي الأردني، فهو لا يتحدث عن حادث أمني عابر، بل عن السيادة الأردنية. فالخطر لا يكمن فقط في سقوط صاروخ أو مسيّرة، وإنما في أن تصبح الحرب الدائرة في مكان آخر قادرة على فرض إيقاعها على الأردن، وأن يجد الأردن نفسه مضطرًا لدفع ثمن صراعات لم يكن طرفًا في صناعتها.
الأردن يعرف هذه المعادلة جيدًا.
لقد عاش تاريخيًا في منطقة لا تسمح لجارته الجغرافية أن تكون مجرد جغرافيا. الحروب واللاجئون والأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية كلها عبرت حدوده أو أثرت فيه.ولذلك فإن عبارة الأمير عن أننا «محاطون بالأصدقاء-الأعداء» تختصر تعقيد السياسة الأردنية : ليست المشكلة دائمًا في عدو واضح ، وإنما في شبكة مصالح متغيرة، قد تتقاطع في لحظة وتتصادم في أخرى.
لكن اللافت في حديث الأمير أنه لا يدعو إلى العزلة أو القطيعة.بل يقول بوضوح: «إذا أردت استقرار المنطقة فتحدث مع عدوك. » وهذه ليست دعوة إلى التنازل عن الثوابت، بل إلى الاعتراف بحقيقة السياسة : الأصدقاء لا يحتاجون دائمًا إلى إقناع، أما الخصوم فيحتاجون إلى قنوات اتصال تمنع سوء التقدير من التحول إلى حرب.
وهنا تظهر خبرة الدولة الأردنية .فالأردن يستطيع أن يحافظ على التزاماته الدولية، وفي الوقت نفسه يختلف جذريًا مع سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين. ويستطيع أن يحافظ على قنوات الاتصال، دون أن يعني ذلك التخلي عن موقفه من القدس أو الحقوق الفلسطينية.
إنها واقعية سياسية لا تعني التخلي عن المبدأ، بل حماية المبدأ من أن يتحول إلى عبء على الدولة. والأهم أن الأمير أعاد الإنسان إلى مركز المشهد عندما قال: «لقد أصبح الناس مجرد أرقام.»
هذه العبارة ربما تختصر مأساة المنطقة كلها.
أصبح عدد القتلى رقمًا، وعدد النازحين رقمًا، وعدد البيوت المدمرة رقمًا، وكأن تحويل المأساة إلى إحصاءات يجعلها أقل قسوة. لكن خلف كل رقم إنسان، وخلف كل إنسان أسرة، وخلف كل أسرة وطن وذاكرة ومستقبل. ومن هنا فإن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يكون أمن الحدود فقط، بل أمن الإنسان والمجتمع والدولة معًا.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها الأردن طويلًا K ففي إقليم مضطرب، لا تكفي القوة العسكرية وحدها لحماية الدولة. تحتاج الدولة إلى جبهة داخلية متماسكة، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات قوية، ودبلوماسية نشطة، وقرار وطني مستقل، وثقة بين الدولة والمجتمع.
الأردن لا يستطيع تغيير جغرافيته، ولا يستطيع إنهاء حروب المنطقة بمفرد ، لكنه يستطيع أن يقول بوضوح: نحن جزء من هذا الإقليم، ولسنا ساحة له. نحن مع فلسطين، لكننا لسنا مشروعًا لحرب جديدة. نحن مع السلام، لكن السلام لا يعني دفن العدالة. نحن مع الحوار، لكن الحوار لا يعني التخلي عن الحقوق. ونحن نحترم القانون الدولي، لكننا نريد قانونًا يحمي الجميع لا قانونًا يُطبق على البعض ويُعطّل أمام البعض الآخر.
إن أخطر ما في المرحلة الراهنة أن تتحول الفوضى الإقليمية إلى أمر طبيعي، وأن يصبح إطلاق الصواريخ حدثًا عاديًا، والتهجير خبرًا يوميًا، والاحتلال وضعًا دائمًا، والإنسان رقمًا.
وهنا تصبح رسالة الأمير الحسن أكثر من قراءة سياسية. إنها دعوة إلى استعادة معنى الدولة والسيادة والإنسان. فالأردن، الذي عاش طويلًا في قلب العواصف، لا يريد أن يكون جزءًا من حروب الآخرين. يريد أن يبقى دولةً صاحبة قرار، ومجتمعًا متماسكًا، وحدودًا مصانة، وموقفًا عربيًا واضحًا، ودورًا سياسيًا قادرًا على حماية مصالحه دون أن يتخلى عن قضيته المركزية.وفي زمن تتحول فيه المنطقة إلى ساحات مفتوحة، ربما تكون المعركة الأردنية الأهم هي أن يبقى الأردن: دولةً لا ساحة، وقرارًا لا ورقة، وشعبًا لا رقمًا.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية
* الامين العام المساعد للثقافة الحزبية في حزب المحافظين الاردني