انتخابات فلسطين .. هل من حق القيادة شطب إرادة الشعب بـ«جرة قلم»؟
رجا طلب
13-10-2026 03:54 PM
حين يتعهد حسين الشيخ بتقديم موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية فور توافر الظروف المناسبة، فإنه يطرح، من حيث لا يريد ولا يقصد، السؤال الأكثر إحراجًا للقيادة الفلسطينية: ما هذه الظروف؟ ومن يحددها؟ ومن يمنحها حق إبقاء إرادة الشعب الفلسطيني خارج صندوق الاقتراع إلى أجل غير معلوم؟
المشكلة ليست في أن الاحتلال الإسرائيلي يعرقل الانتخابات؛ فهذا واقع لا يحتاج إلى برهان. المشكلة أن موضوع الاحتلال تحول، عبر أكثر من عقدين، إلى مبرر جاهز لتعليق استحقاق ديمقراطي يفترض أن يكون حقًا أصيلًا للشعب، لا منحة تقدمها السلطة عندما تسمح الظروف السياسية والأمنية.
آخر انتخابات رئاسية فلسطينية جرت في التاسع من يناير/كانون الثاني 2005، وآخر انتخابات تشريعية جرت في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2006. ومنذ ذلك الحين، مضى نحو عقدين من دون تجديد انتخابي للسلطتين الرئاسية والتشريعية. فهل يعقل أن تبقى شرعية حكم السلطة رهينة ظروف استثنائية لا تنتهي، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون صراعًا مفتوحًا على أرضهم ومستقبلهم وحقهم في تقرير المصير؟
لا ينكر أحد مسؤولية إسرائيل عن الحواجز والاستيطان والحصار ورفض ترتيبات التصويت في القدس الشرقية، لكن السؤال الذي يتجنب الخطاب الرسمي الفلسطيني الإجابة عنه هو: ماذا فعلت القيادة الفلسطينية لتجاوز هذه العقبات، غير الاكتفاء بمطالبة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل؟
في عام 2021، دعا الرئيس محمود عباس إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، قبل أن يقرر تأجيلها بذريعة عدم ضمان مشاركة القدس. وكانت لجنة الانتخابات المركزية وقتذاك قد بحثت ترتيبات وبدائل لتسهيل عملية الاقتراع.
وللموضوعية، لم تكن العقبات وهمية، لكن إلغاء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية كلها أثار سؤالًا مشروعًا: لماذا أصبح رفض إسرائيل في القدس قادرًا على تعطيل حق ملايين الفلسطينيين في اختيار ممثليهم في عموم الضفة الغربية؟
الأخطر أن استطلاعًا للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في يونيو/حزيران 2021 أظهر معارضة فلسطينية واسعة لقرار التأجيل، فيما اعتقد قطاع كبير من المستطلعين أن الخشية من نتائج الانتخابات كانت وراءه. وإلى الآن، لم يثبت إلا هذا التفسير، وهذا الخوف يكشف عمق أزمة الثقة بين الجمهور والقيادة وحجمها. ووقتها، كانت حركة فتح تعاني انقسامات داخلية، بينما شكلت حماس منافسًا انتخابيًا جديًا. وهنا يبرز الاحتمال السياسي الذي لا تستطيع القيادة تجاهله: هل كان الخوف من خسارة السلطة حاضرًا في حسابات التأجيل؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فلماذا لا يُترك الحكم لصناديق الاقتراع؟
أما الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007، فلا يمكن تحميل الاحتلال وحده مسؤوليته، لقد فشلت القيادات الفلسطينية المتعاقبة في إنهائه، وتحولت حالة الانقسام إلى ذريعة إضافية لتعطيل الانتخابات، مع أن الاحتكام إلى الشعب يمكن أن يكون مدخلًا لمعالجة الأزمة، شرط ضمان احترام النتائج وعدم استخدام السلاح لفرض الإرادة السياسية.
وفي العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أُعلن تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، مع تحديد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2027 موعدًا جديدًا. ثم جاء تعهد حسين الشيخ بتقديم الموعد إذا توافرت الظروف المناسبة، من دون تحديد معايير واضحة لهذه الظروف أو الضمانات التي تمنع تكرار التأجيل.
كما أن حجب أموال المقاصة والأزمة المالية، على خطورتهما، لا يبرران تعطيل الانتخابات طوال السنوات السابقة. فهناك فرق بين عقبات فرضتها الحرب والاحتلال، وبين مسؤولية سياسية تراكمت عبر قرارات فلسطينية كان ينبغي إخضاعها للمراجعة والمساءلة. إن الاختبار الحقيقي ليس إعلان الإيمان بالتعددية وتداول السلطة، بل وضع جدول زمني ملزم، وتحديد العقبات الإسرائيلية بدقة، وإعلان البدائل الممكنة، وضمان الحريات السياسية، والتعهد باحترام النتائج، بغض النظر عن هوية الفائز.
لا يحتاج الفلسطينيون إلى انتخابات في ظروف مثالية لن تتوافر تحت الاحتلال، بل إلى قيادة تتعامل مع الانتخابات بوصفها حقًا وطنيًا لا امتيازًا سياسيًا. وإذا كان الاحتلال قادرًا على تعطيل هذا الاستحقاق، فإن منح الظروف الاستثنائية سلطة مفتوحة على القرار الفلسطيني يضاعف المشكلة بدلًا من حلها. والسؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه حسين الشيخ ومعه القيادة الفلسطينية ليس متى ستُجرى الانتخابات إذا تحسنت الظروف، بل ماذا ستفعل القيادة إذا لم يسمح الاحتلال بتحسنها؟ وهل تقبل القيادة فعلًا أن تحكم الشعب وهي منزوعة الشرعية؟
أعتقد أن استرداد الشرعية بات ضرورة ملحة لإعادة إنتاج الديمقراطية الفلسطينية التي وصفها الشهيد الخالد ياسر عرفات بـ«ديمقراطية البنادق»، ديمقراطية تناطح الظروف الصعبة لإثبات وتأكيد حق الفلسطيني في داخل الوطن وخارجه في أن يرى حريته تتحقق باختيار من يمثله.
قناة الغد