أمريكيون لا فاتحون: العرب والمسلمون والانتخابات الأمريكية
د. عمر الرداد
05-11-2026 06:58 PM
في صباح الرابع من نوفمبر 2026 استيقظت أمريكا على خريطة سياسية فيها ما لم يكن مألوفاً قبل عقدين: أول مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ، هو عبدول (عبد الرحمن) السيد، الطبيب المتخصص في الصحة العامة الذي هزم الجمهوري مايك روجرز في ميشيغان؛ وجرّاح سابق في الجيش الأمريكي هو آدم حمّاوي يدخل الكونغرس عن نيوجيرزي؛ ورشيدة طليب وإلهان عمر تفوزان بولاية خامسة؛ وأبرز من ذلك كله قائمة طويلة من المجالس التشريعية للولايات والبلديات ومجالس المدارس،وكان زهران ممداني قد افتتح هذه الموجة قبل عام بفوزه بمنصب عمدة نيويورك، أكبر مدن البلاد.
يقرأ بعض المحللين وهواة التحليل السياسي هذه الانتصارات بوصفها «اختراقاً» أو «غزواً ناعماً» أو «فتحاً» اسلاميا لامريكا، ويبدو ان هذه القراءةبحاجة لمراجعة لانها تسيء إلى الفائزين وإلى أمريكا معاً، فما جرى أبسط وأعمق: مواطنون أمريكيون دخلوا فضاءات الديمقراطية الأمريكية، بما فيها من حرية وعدالة ومساواة، من ابوابها وليس من شبابيكها،وقدّموا للناخبين برامج عن الإيجار والرعاية الصحية والأجور، فاقتنع بها الناخبون.
الفاتح يأتي من خارج الجماعة ليفرض عليها إرادته،أما هؤلاء فقد جاؤوا من داخلها: وُلد أغلبهم في أمريكا، وتعلّموا في مدارسها، وطرقوا الأبواب في دوائرهم، وجمعوا التبرعات الصغيرة، وخاضوا الانتخابات التمهيدية داخل أحزابهم، ثم واجهوا خصومهم علناً، وحين فاز السيد، فاز بأصوات ناخبي ميشيغان، لا بقرار من خارج الحدود،والمؤسسة التي منحته الفوز هي المؤسسة نفسها التي يتهمه خصومه بالعداء لها،والمفارقة أن الحملات التي استهدفتهم، كانت تفترض أن الدين أو الأصل يكفي لنزع الصفة الأمريكية عن المرشح، وجواب الناخبين كان أن الصفة الأمريكية تُكتسب بالمواطنة والمشاركة، لا بالنسب ولا بالعقيدة،وهذا بالضبط ما تقوله وثيقة البلاد: لا اختبار ديني لتولي منصب عام.
ان مراجعة سريعة للحملات الانتخابية تكشف ان قضايا الحياة اليومية، هي المرجهية الاولى في خيارات الناخب والمفاضلة بين المرشحين، فقد ركّز السيد على الرعاية الصحية وغلاء المعيشة والحدّ من نفوذ المال الكبير في السياسة،وخاضت آبر قواس انتخابات مجلس شيوخ نيويورك على السكن الميسّر والرعاية الصحية وحقوق المهاجرين، وكان ممداني ركز حملته على تكلفة العيش في مدينة تعصر ساكنيها،هذه لغة الطبقة العاملة والوسطى الأمريكية بكل أعراقها وأديانها، وهي اللغة التي تحرّك الصندوق في الدوائر المتأرجحة قبل أي لغة أخرى، وهنا الفرق الحاسم ف«الفاتح» يحمل مشروعاً لتغيير هوية المكان،أما هؤلاء فيحملون مشروعاً لتحسين المكان بمعاييره هو: بيت يُدفع إيجاره، ومستشفى لا يفلّس مريضه، وأجر يكفي صاحبه، وربما كان في تصويت أحياء ذات أغلبية غير مسلمة لهم دليل على أن الرسالة وصلت بوصفها رسالة أمريكية عامة، لا رسالة طائفية.
وفي الصورة الاعمق ولاوسع، للمهاجر صورة عن أمريكا قبل أن يصلها: بلد القانون الذي يسري على القوي والضعيف، وبلد الفرصة التي لا يحجبها اسم ولا لون، وبلد الحرية الدينية التي كانت دافعاً لهجرة كثيرين إليها أصلاً، وهذه الصورة، التي يسميها بعض الدارسين «الحلم الأمريكي»، هي ما يختبره المهاجر حين يصطدم بالواقع: تمييز في العمل، ومراقبة بعد 11 سبتمبر، وخطاب كراهية في الحملات.
والمهاجر الذي ينتقل من الشكوى إلى الترشح يفعل ما فعله أسلافه الإيرلنديون والإيطاليون واليهود واليابانيون والسود: لا يطلب أن يُستثنى من أمريكا، بل أن تُطبَّق عليه أمريكا كما وُعدت،ومن هذه الزاوية يكون المرشح العربي أو المسلم أحرص على المثال الأمريكي من كثير ممن ورثوه بلا ثمن،لأنه عرف كلفة غيابه،فمن عانى من الإقصاء يصبح أشد المدافعين عن مبدأ المساواة أمام القانون، ومن عاش في حي أُهملت خدماته يصبح أشد المطالبين بإنصاف الأحياء.
وإذا صحّ هذا التوصيف فعلى الجاليات أن تحذر من خطأين، الأول: أن تقرأ فوزها بلغة الانتصار الجماعي على «الآخر»، فتمنح خصومها الدليل الذي يبحثون عنه،والثاني: أن تحصر نشاطها في قضايا الخارج، فالرصيد السياسي الذي بُني في الدوائر سيصمد بقدر ما يقدّم خدمة ملموسة لأهل الدائرة جميعاً، وبقدر ما يرتبط الفائز بمساءلة ناخبيه كأي مسؤول آخر، اما القضايا الخارجية، ومنها فلسطين، تظل مشروعة في النقاش العام الأمريكي، لكنها تحظى بالاحترام حين تُطرح باعتبارها موقف مواطن يرى مصلحة بلده في سياسة أخرى، لا باعتبارها ولاءً لجهة غير أمريكا.
وبالخلاصة، إن صحّ أن لهذه الانتخابات رسالة، فهي أن الديمقراطية الأمريكية ما زالت قادرة على استيعاب القادمين الجدد وتحويلهم من موضوع للجدل إلى شركاء في الحكمن وأن الأمريكي ليس من يشبه صورة نمطية، بل من يقبل قواعد اللعبة ويقنع جيرانه بأن لديه ما يقدّمه، والذين فازوا هذا الشهر لم يفتحوا شيئاً، لقد فتحوا الباب الذي كان مفتوحاً لغيرهم، ودخلوا منه بصفتهم أصحاب بيت لا ضيوفاً، ولن غالبيتهم يؤمنون بافكار ومثاربات الحزب الديمقراطي، تلك المقاربات التي ينبغي اعادة قراءتها، بعيدا عن الشرق المأزوم وتصوير هذا الفوز باعتلره فوزا للمسلمين على الكفار.