facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جيو سياسة العطش: كيف يُعيد الأردن كتابة الاقتصاد السياسي للمياه؟


د. جمال المصري
04-11-2026 07:49 PM

عندما وقف جلالة الملك عبد الله الثاني أمام مجلس الأمة لافتتاح الدورة البرلمانية، فإن تكراره كلمة واحدة ثلاث مرات متتالية: «المياه، المياه، المياه»، رسالة تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي؛ فالتأكيد على أن حق الأردنيين في المياه لن يكون رهينة لأي ظرف أو طرف لم يكن مجرد تنبيه إلى أولوية توفير خدمة أساسية، بل يعكس إدراكًا بأن الأمن المائي أصبح جزءًا من الأمن الوطني والسيادة السياسية، في منطقة باتت فيها الموارد المائية أحد مصادر النفوذ والضغط الجيوسياسي.

ولفهم خلفية وأبعاد هذا الخطاب، فلا بد من النظر إلى ما شهدته العلاقات الأردنية الإسرائيلية مؤخرًا من توترات حول إمدادات المياه. فقد تحدثت تقارير إعلامية دولية عن ربط تجديد الاتفاق الإضافي لتزويد الأردن بالمياه، الذي أُبرم عام 2021، بشروط سياسية، من بينها تخفيف حدة الخطاب الأردني تجاه إسرائيل واستعادة مستوى أدفأ من العلاقات الدبلوماسية. وبصرف النظر عن الموقف الرسمي من هذه التقارير، فإن ما تكشفه هذه التطورات هو حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب على اعتماد دولة تعاني أصلًا من شح مائي على إمدادات خارجية تظل عرضة للتقلبات والأمزجة السياسية.

هنا تتجاوز المسألة حدود إدارة الموارد لتدخل في صميم الاقتصاد السياسي للسيادة. فالأمن المائي لا يتعلق فقط بتوافر المياه وكلفة الحصول عليها، بل أيضًا بمدى قدرة الدولة على ضمان استمرار إمداداتها بعيدًا عن حسابات الآخرين ومساوماتهم. ومن هذا المنطلق، يكتسب مشروع الناقل الوطني الأردني، القائم على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى عمّان، أهمية تتجاوز طبيعته كمشروع للبنية التحتية، ليصبح ركيزة أساسية في إعادة بناء منظومة الأمن المائي الأردني وتقليص الاعتماد على المصادر الخارجية.

فلسنوات طويلة، جرى تقييم المشروع من منظور تنموي ومالي يركز على ضخامة تكلفته الرأسمالية وارتفاع احتياجاته من الطاقة والتحديات المرتبطة بتنفيذه وتشغيله. وهي اعتبارات لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تقدم وحدها تقييمًا مكتملًا لجدواه. فحين تكون المياه عنصرًا حاسمًا في الاستقرار الوطني، لا يمكن قياس عائد المشروع بالكلفة المالية المباشرة فقط، بل ينبغي احتساب ما يوفره من أمن للإمدادات، وما يقلصه من تعرض الاقتصاد الوطني للضغوط الخارجية.

فمن خلال استهداف إنتاج نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، يشكل قرابة 40% من احتياجات المملكة من مياه الشرب، يخطو الأردن نحو توسيع قاعدته المحلية لتوفير المياه وتقليص الاعتماد على الإمدادات الخارجية. وبذلك، لا يمثل الناقل الوطني مجرد استثمار في زيادة المعروض المائي، بل تحولًا في طريقة التعامل مع أحد مصادر الهشاشة الاستراتيجية التي فرضتها الجغرافيا على المملكة. صحيح أن المشروع لن ينهي الاعتماد على الموارد الخارجية، لكنه يمنح الأردن مساحة أوسع لحماية أمنه المائي وتقليل تعرضه للضغوط السياسية المرتبطة به.

غير أن تعزيز الاستقلال الاستراتيجي عن الخارج لا يكتمل من دون قدرة مؤسسية في الداخل. فمشروع بهذا الحجم، وبما ينطوي عليه من تعقيدات مالية وفنية وتشغيلية، يتطلب مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والرقابة، وإدارة الموارد بكفاءة ونزاهة. ومن هنا تبرز الصلة بين الأمن المائي والحوكمة؛ فالمؤسسات التي لا تستطيع حماية المال العام وضمان كفاءة الإنفاق وإدارة المشروعات الكبرى قد تقوض، بعجزها الداخلي، ما تسعى الدولة إلى تحقيقه من استقلال اقتصادي واستراتيجي عن الخارج.

ولعل تزامن التأكيد الملكي على أولوية الأمن المائي مع التشديد على مساءلة المسؤولين ومواجهة استغلال المناصب يعكس أهمية هذه العلاقة بين حماية الموارد وقدرة الدولة على إدارة مؤسساتها. فالسيادة ليست قرارًا سياسيًا فحسب، بل قدرة اقتصادية ومؤسسية على تحويل القرارات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة ومستدامة.

في المحصلة، يقدم التحول الأردني في التعامل مع ملف المياه درسًا يتجاوز حدود المملكة إلى الاقتصاد السياسي للمنطقة والجوار. ففي منطقة تتزايد فيها آثار التغير المناخي وتتداخل فيها النزاعات على الموارد مع الحسابات السياسية، لم يعد ممكنًا التعامل مع المياه باعتبارها موردًا يمكن الاطمئنان إلى استمرار تدفقه بحسن النوايا الإقليمية وحده. لذلك، فإن تسريع تنفيذ الناقل الوطني يمثل خطوة مهمة نحو تقليص مواطن الهشاشة وتعزيز استقلال القرار الوطني. فالجغرافيا قد تفرض على الأردن شح المياه، لكنها لا ينبغي أن تفرض عليه الارتهان السياسي لمن يملك مفاتيح إمدادها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :