الإرهاب ومحاولات المساس بالأمن الوطني الأردني: الدولة والمجتمع في مواجهة التطرف
د. شهد بسام الرقّاد
05-11-2026 10:14 PM
لم تعد التحديات الأمنية التي تواجه الدول المعاصرة تقتصر على التهديدات العسكرية التقليدية أو الصراعات الإقليمية، بل باتت تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والفكرية والاجتماعية، ويأتي الإرهاب والتطرف في مقدمة هذه التحديات التي تستهدف استقرار الدول ومؤسساتها وثقة مجتمعاتها بمنظومتها الوطنية.
وفي هذا السياق، تشكّل الحادثة الإرهابية التي شهدتها العاصمة الأردنية عمّان، بالقرب من السفارة السريلانكية، والتي أسفرت عن استشهاد أحد مرتبات الأمن العام وإصابة ضابط آخر، محطة تستدعي قراءة تتجاوز حدود الواقعة الأمنية المباشرة، لتضعنا أمام تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة التهديدات التي تواجه الأمن الوطني الأردني، وقدرة الدولة والمجتمع على التصدي لمحاولات زعزعة الاستقرار.
إن استهداف رجل أمن أثناء تأدية واجبه لا يمثل اعتداءً على فرد يؤدي مهمة وظيفية فحسب، بل يشكل اعتداءً على هيبة الدولة وسيادة القانون والمؤسسات التي تضطلع بمسؤولية حماية المواطنين وصون أمنهم. فرجل الأمن العام يمثل إحدى الركائز الأساسية في معادلة الاستقرار الوطني، والاعتداء عليه هو محاولة للمساس بالمنظومة التي تحفظ انتظام الحياة العامة وتضمن أمن المجتمع.
وتكمن خطورة هذه الحوادث في أنها لا تستهدف الجانب الأمني وحده، وإنما تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واجتماعية، إذ يسعى الفكر المتطرف إلى خلق حالة من الخوف والقلق، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وإحداث تصدعات داخل النسيج المجتمعي. ومن هنا، فإن التعامل مع الإرهاب لا ينبغي أن يقتصر على المعالجة الأمنية، على أهميتها وضرورتها، بل يجب أن يتكامل مع معالجة فكرية وثقافية ومجتمعية طويلة الأمد.
لقد أثبت الأردن، عبر مسيرته السياسية والأمنية، أن الاستقرار الوطني ليس مجرد حالة أمنية، بل هو نتاج توازن بين قوة المؤسسات، ووعي المجتمع، وسيادة القانون، والالتفاف حول الثوابت الوطنية. كما أن التجربة الأردنية في مواجهة التحديات الإقليمية تؤكد أهمية المحافظة على الجبهة الداخلية بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الاختراق والتطرف.
ومن منظور العلوم السياسية، فإن مفهوم الأمن الوطني لم يعد مفهوماً تقليدياً محصوراً في حماية الحدود ومواجهة التهديدات الخارجية، بل أصبح مفهوماً شاملاً يرتبط بالأمن الإنساني والمجتمعي والفكري، وبقدرة الدولة على حماية مؤسساتها والحفاظ على شرعيتها وتعزيز ثقة المواطنين بها.
ولذلك، فإن مواجهة التطرف تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة، تقوم على تعزيز سيادة القانون، وتطوير أدوات الوقاية الفكرية، وتمكين المؤسسات التعليمية والإعلامية من أداء دورها في نشر ثقافة الاعتدال والمواطنة، إلى جانب تعزيز الشراكة بين المؤسسات الرسمية ومكونات المجتمع المدني.
كما أن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً، يرفض التحريض والكراهية، ويتجنب إطلاق الأحكام المسبقة أو تداول المعلومات غير المؤكدة، فالمجتمعات التي تواجه الإرهاب تحتاج إلى أعلى درجات الوعي والتماسك، لا إلى الانجرار وراء الشائعات أو تحويل الحوادث الفردية إلى مساحات للانقسام المجتمعي.
ولا يمكن إغفال أهمية الدور الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية الأردنية في حماية الأرواح والممتلكات، والتعامل مع التهديدات التي تواجه المملكة. فالتضحيات التي يقدمها منتسبو هذه الأجهزة تذكّرنا بأن الأمن ليس شعاراً سياسياً، بل مسؤولية وطنية تُترجم يومياً إلى واجب وتضحية والتزام.
إن استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة لا ينبغي أن يمر بوصفه خبراً عابراً في سياق الأحداث اليومية، بل يجب أن يعيد التأكيد على قيمة التضحية في سبيل الوطن، وعلى ضرورة حماية مؤسسات الدولة وتعزيز مناعتها في مواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب.
وفي المحصلة، فإن قوة الأردن لا تكمن فقط في قدرته على مواجهة التهديدات الأمنية، وإنما في تماسك مجتمعه، وصلابة مؤسساته، ووعي مواطنيه بأن أمن الوطن مسؤولية مشتركة. فالإرهاب قد يستهدف الأفراد والمؤسسات، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على دولة يمتلك مجتمعها وعياً وطنياً راسخاً وإيماناً راسخاً بسيادة القانون ووحدة الصف.
إن حماية الأردن ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مشروع وطني تشترك فيه الدولة والمجتمع، ويظل فيه الإنسان وكرامته وأمنه واستقرار وطنه جوهر المعادلة الوطنية.