يحرق حريشك… بين الظاهر والحقيقة
د. سمر الشديفات
04-11-2026 11:17 PM
(يحرق حريشك) عبارةٌ شعبية قد يبدو ظاهرها دعاءً بالسوء، لكنها تُقال في بعض السياقات المتداولة تعبيرا عن المحبة، ويُراد بها الدعاء بإبعاد الشر والأذى. وبين ظاهر اللفظ ومقصده، تختبئ مفارقة تستحق التأمل: كم من شيءٍ أسأنا فهمه لأننا اكتفينا بظاهره، وكم من حكم أصدرناه قبل أن نتبيّن حقيقته؟
ليست الحكاية هنا عن عبارة شعبية فحسب، بل عن نهجٍ في التفكير، وحاجةٍ إنسانية ومؤسسية إلى التبصّر قبل الحكم، والتمحيص قبل التقييم، والغوص في التفاصيل قبل إطلاق الأحكام.
فكم من إنسانٍ لم تُنصفه الانطباعات الأولى، وكم من فكرةٍ رُفضت لأنها خالفت المألوف، وكم من تجربةٍ حُكم عليها بالسوء قبل أن تتكشف نتائجها! إننا أحيانا لا نرفض الأشياء لافتقارها إلى القيمة، بل لأنها لا تشبه ما اعتدناه، فنخلط بين ما لا يعجبنا وما لا يستحق، وبين ما لا نفهمه وما لا قيمة له.
وهنا تكمن خطورة الأحكام المتسرعة، إذ قد تتحول الانطباعات إلى قرارات، والظنون إلى مواقف، فتُهدر فرصٌ، وتُهمّش كفاءات، وتُرفض مبادرات كان يمكن أن تحمل بذور التغيير والتطوير.
وفي المؤسسات، كما في المجتمع، لا بد أن تُقاس الأفكار بأدلتها، والمبادرات بأثرها، والأفراد بقدراتهم وإنجازاتهم، لا بصورٍ مسبقة أو مواقف عابرة. وفي التعليم، لا يجوز اختزال الطالب في علامة، أو الحكم على إمكاناته من تعثرٍ مؤقت، فخلف ما يبدو ضعفا قد تكمن قدرةٌ لم تجد بعدُ من يكتشفها.
ولا يعني التعمق أن نبرر كل شيء، أو أن نُحسن الظن دون دليل، بل أن نمنح الحقيقة حقها في الفحص، وأن نُميّز بين المظهر والجوهر، وبين الانطباع والواقع. فكما قد تخفي البساطة قيمةً عظيمة، قد تخفي المظاهر البراقة خللا لا تكشفه إلا القراءة المتأنية.
إن المجتمعات الواعية والمؤسسات الناضجة لا تتعجل الأحكام، بل تراجعها في ضوء الأدلة، ولا ترفض المختلف لمجرد اختلافه، بل تختبر قيمته بموضوعية وإنصاف. فالتبصّر ليس ترفا فكريا، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية تحمي الإنسان من الظلم، والمؤسسات من القرارات القاصرة، والمجتمع من أسر الانطباعات السطحية.
(يحرق حريشك) عبارةٌ تذكّرنا بأن ظاهر الكلمات لا يكشف دائما مقاصدها، تماما كما أن ظاهر الأشياء لا يمنحنا حقيقتها كاملة.
ولعل رسالتنا اليوم، أفرادا ومؤسساتٍ ومجتمعات، أن نتأنّى قبل أن نحكم، ونتحقق قبل أن نرفض، ونتعمق قبل أن نُدين، فليس كل ما لا يعجبنا سيئا وليس كل ما يبدو ناقصًا يخلو من القيمة.
فكم من حقيقةٍ ظلمناها لأننا لم نتعمق، وكم من خيرٍ تجاوزناه لأننا اكتفينا بالنظر؛ فالإنصاف يبدأ حين نمنح الأشياء فرصةً كي تكشف عن حقيقتها، قبل أن نصدر حكمنا عليها.