من حسن مصادفات زيارتي إلى باكو، عاصمة أذربيجان الجميلة، أن وافق ليلة الأول من تشرين الثاني، واحتفال العالم بعيد «الهالوين». لم يكن في حسباني أن أجد نفسي وسط كرنفال عجيب يثير قلب المدينة الجميلة، وأن ألتقي ذلك العدد الكبير من الوحوش دفعة واحدة. الأشباح ومصاصو الدماء والساحرات وكائنات الرعب المبتكرة تجولت بين الناس بأريحية هادئة، تضحك وتمازح وتلتقط الصور.
تلك الوجوه المرعبة لم تبعث في نفسي ذرة ريبة؛ حيث لا صخب مؤذيا، ولا عنفا، ولا اعتداء على حق الآخرين في هدوئهم وطريقهم. وحوش أليفة بأنيابها وقرونها وأقنعتها تجوب الساحات، وتتصرف بتهذيب كبير لربما نفتقده في بعض أصحاب الوجوه العادية.
ولعيد الهالوين سيرة أغرب من أقنعته الملونة العجيبة. فقبل نحو ألفي عام، احتفل الكلتيون في الجزر البريطانية بانتهاء الحصاد وقدوم الشتاء في مهرجان يسمى «سامهاين»، وفيه يعتقدون أن المسافة بين الأحياء والموتى تضيق أو تتلاشى، وأن تلك الأرواح وخاصة الشريرة منها تستطيع العودة إلى الحياة، ولهذا أوقدوا النيران وارتدوا الأقنعة اتقاء لذلك اللقاء المحتمل. وحين تداخلت الطقوس مع عشية عيد جميع القديسين، نشأ الاسم الإنجليزي «هالوين»، لتتحول وسيلة للاختباء من الأشباح إلى موعد سنوي تُصنع فيه الأشباح عوضا عن الهرب منها.
المفارقة التي عشتها في باكو لا تخص التاريخ وحده. فهذا عيد قطع رحلة طويلة من القرى الكلتية إلى أمريكيا بواسطة الإيرلنديين الهاربين من المجاعة ثم إلى العالم عبر السينما والهجرة والأسواق وفضول الأجيال الجديدة في مدن لم تعرف أساطيره الأولى.
في أذربيجان، التي تحتفل بالنيروز وتحفظ ذاكرة ثقافية ثرية، أثار احتفال هؤلاء الشبان بالعيد نقاشا بين من يخشى استيراد تقاليد الآخرين ومن يراه مساحة لخيال الشباب. وتفاجأت أن جامعة الاقتصاد الأذربيجانية أقامت حفلا خاصا بالمناسبة شارك فيها 600 طالب وطالبة، حسبما قرأت في صحافتهم. وسيبقى أن الأجدى من سؤال: لماذا نحتفل بعيد وافد؟ سؤال ما الذي يجعل الشباب يجدون فيه متسعا للعب والابتكار والمتعة؟.
أما أنا، فشغلني سؤال أكثر عمقا: لماذا نحتاج إلى التنكر أصلا؟ الأنَّ الحياة اليومية تفرض علينا وجوها صارمة مملة؟. وفي ليلة كتلك يستطيع حتى الخجول أن يبدو مصاص دماء جريئا، وأن تضحك ساحرة من صورتها في المرآة وعدسات هواتف العابرين.
في الحقيقة رأيت شبانا يمارسون حقهم في الاختلاف لا أكثر ولا أقل، ويحفظون حق غيرهم في ألا يشاركوهم. وهذا درس حضاري لا يحتاج إلى خطب ومعلقات وإدانات. وقد غادرت المشهد وأنا أفكر في أن المدن تستطيع كشف أخلاقها في حفلة تنكرية، كما تكشف تاريخها في متاحفها وأثارها. أما الوحوش التي مررت بها؛ فكانت لطيفة إلى حد يحرج بعض من نلتقيهم كل صباح بوجوههم الحقيقية.
الدستور