التفاهمات الحزبية…يوم تكسرت النصال على النصال
أ.د. عبدالله سرور الزعبي
04-11-2026 12:43 AM
في السياسة، ليس أصعب من الوصول إلى التوافق سوى القدرة على الالتزام به. فالاختلاف بين الأحزاب أمر طبيعي، بل هو جوهر الحياة السياسية وتعددها. لكن المفارقة تبدأ عندما تنجح القوى السياسية في صياغة تفاهمات مشتركة، ثم تعجز عن تحويلها إلى مواقف وأفعال عند أول اختبار. عندها لا يعود السؤال: لماذا اختلفت الأحزاب؟ بل يصبح: ما قيمة الاتفاق إذا لم يكن أصحابه مستعدين لاحترام مقتضياته؟
هذا السؤال يفرض نفسه على المشهد الحزبي الأردني، في ضوء التفاهمات التي جمعت كتلًا وأحزابًا، من بينها أحزاب ميثاق ومبادرة وعزم، حول تنسيق المواقف وتوزيع مواقع المسؤولية في المكتب الدائم لمجلس النواب. فقد بدا الاتفاق، في ظاهره، خطوة نحو بناء شراكة سياسية قادرة على تنظيم العمل البرلماني وتجاوز الحسابات الفردية، ودليلًا على أن الأحزاب بدأت تنتقل من مرحلة التنافس الانتخابي إلى مرحلة التنسيق والعمل المشترك. غير أن هذا الانطباع اصطدم بالاختبار الأول، حين لم تنجح التفاهمات في حسم انتخاب النائب الأول والثاني لرئيس مجلس النواب لصالح مرشح حزب مبادرة وحزب عزم، رغم أن التوافق المسبق كان يفترض أن يجعل تأمين الأصوات أمرًا ميسّرًا.
وهنا تكمن المفارقة: كيف تتفق الأحزاب على توزيع المواقع، ثم لا تستطيع إنفاذ اتفاقها عندما تحين لحظة التصويت؟ وهل كان التفاهم قائمًا على قناعة سياسية مشتركة، أم على حسابات مؤقتة اقتضتها ظروف تشكيل التحالف؟ إن الفرق كبير بين اتفاق يُبنى على مشروع ورؤية، واتفاق يُبنى على تقاسم المواقع؛ فالأول يخلق التزامًا يتجاوز الأشخاص والمناصب، أما الثاني فيبقى هشًّا، لأن المصالح التي جمعته قد تكون هي نفسها التي تفرّقه.
ولا يعني ذلك أن على الأحزاب أن تتخلى عن استقلالية نوابها، أو أن تتحول التفاهمات إلى قيود تلغي حرية القرار البرلماني. فالنائب مسؤول أمام ناخبيه وضميره وقناعاته، لكن الاستقلالية لا تعني غياب الوضوح، ولا تُفرغ الاتفاقات السياسية من معناها. فإذا كانت هناك شراكة معلنة، فمن حق الرأي العام أن يعرف حدودها، وما الذي التزم به أطرافها، وكيف تُدار الخلافات داخلها، ولماذا يتعذر تنفيذ ما جرى التوافق عليه. أما أن تُعلن التفاهمات إنجازًا سياسيًا ثم تتعثر عند أول استحقاق، فذلك يضعف الثقة بالأحزاب وبقدرتها على بناء شراكات تتجاوز اللحظة الانتخابية.
والمشكلة الأعمق أن الحياة الحزبية لا تُقاس بعدد الأحزاب والكتل، بل بقدرتها على إنتاج قواعد للعمل المشترك، وإدارة الاختلاف، وتحمل المسؤولية عن القرارات. فالديمقراطية ليست أن يتفق الجميع على كل شيء، وإنما أن تتوافر مؤسسات وآليات تمنع الاختلاف من هدم ما جرى الاتفاق عليه. والأحزاب التي تطمح إلى المشاركة في حكومات برلمانية مستقبلًا مطالبة بأن تقدم نموذجًا مصغرًا للحكم داخل تحالفاتها أولًا، نموذجًا يقوم على التشاور والانضباط والشفافية والمحاسبة، لا على التفاهمات الشخصية وردود الفعل.
ولذلك فإن تجاوز هذه العثرة لا يكون بإصدار بيانات جديدة أو إعادة تأكيد حسن النوايا، بل بخريطة طريق عملية. تبدأ بميثاق مكتوب يحدد أهداف التفاهمات وحدودها وآليات اتخاذ القرار، وينظم التعامل مع الحالات التي يتعذر فيها الالتزام. ثم يُشكَّل إطار تنسيقي دائم يضم ممثلين مفوضين عن الكتل والأحزاب، يجتمع بانتظام ويعلن مواقفه المشتركة بوضوح. وبعدها يُنتقل من تنسيق المواقع إلى تنسيق البرامج، بوضع أولويات تشريعية ورقابية مشتركة، تشمل قوانين الموازنة العامة والضمان الاجتماعي والإدارة العامة وغيرها، وتقديم بدائل وسياسات قابلة للتنفيذ لا الاكتفاء بتسجيل المواقف. وأخيرًا تُخضع هذه الشراكة لمراجعة دورية تقيس ما تحقق، وتفسّر ما تعثر، وتحدد المسؤولية السياسية عن الإخفاق، مع احترام الاستقلال الدستوري لكل نائب.
إن مشروع التحديث السياسي في الأردن لا يحتاج إلى أحزاب تتقن عقد التفاهمات بقدر ما يحتاج إلى أحزاب تتقن الوفاء بها، ولا يحتاج إلى تحالفات تُختبر عند توزيع المواقع فقط، بل إلى شراكات تُختبر عند مناقشة السياسات وتحمل أعباء القرار. فالطريق إلى الحكومات الحزبية لا يبدأ يوم تدخل الأحزاب مبنى رئاسة الوزراء، بل يبدأ من قدرتها اليوم على إدارة خلافاتها، وبناء الثقة فيما بينها، وإقناع المواطنين بأنها قادرة على العمل كفريق سياسي مسؤول.
لقد نجحت الأحزاب في الوصول إلى التفاهم، لكنها تعثرت في أول امتحان لتنفيذه. وهذه ليست عثرة إجرائية عابرة، بل رسالة تستحق التوقف عندها، لأن التوافق الذي لا يصمد أمام أول اختبار لا يصنع شراكة، والاتفاق الذي لا تحميه قواعد واضحة يتحول سريعًا إلى وعد قابل للنقض. وكما في المثل المأخوذ عن بيت شعر قديم "يوم تكسرت النصال على النصال". لكن الخطر الحقيقي ليس في تكسر التفاهمات، بل في أن تفقد الأحزاب ثقة بعضها ببعض، وثقة الناس بقدرتها على بناء بديل سياسي يستطيع إدارة مؤسسات الدولة. فمن يعجز عن إدارة أبسط تفاهماته، كيف سيقنع الأردنيين بقدرته على بناء تفاهمات تدير حكومتهم؟
الغد