الأمن المائي في خطاب العرش: من إدارة النقص إلى حماية السيادة
د. محمد حيدر محيلان
04-11-2026 12:47 AM
حين كرر جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش كلمة (المياه) ثلاث مرات، لم يكن التكرار مجرد تأكيد لغوي، بل إعلانًا واضحًا بأن ملف المياه تجاوز حدود الخدمة العامة وإدارة النقص، ليصبح قضية سيادة وأمن وطني، تتطلب التخطيط الاستباقي، وتكامل المسؤوليات، واستمرارية التنفيذ.
فالأردن من أكثر دول العالم شحًا بالمياه، ولا تتجاوز حصة الفرد من المياه المتجددة نحو 61 مترًا مكعبًا سنويًا، مقارنة بخط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب. كما ما تزال نسبة الفاقد المائي، رغم التحسن المسجل خلال السنوات الماضية، تقارب 41% من المياه المضخوخة. ولذلك، فإن حماية كل متر مكعب متاح لا تقل أهمية عن تطوير مصادر جديدة.
ويشكّل مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه خليج العقبة ونقلها إلى مختلف المحافظات خيارًا استراتيجيًا لمستقبل الأردن. ومن المنتظر أن يوفر نحو 300 مليون متر مكعب سنويًا، بما يقارب 40% من احتياجات مياه الشرب في المملكة. غير أن بدء الضخ المتوقع عام 2030 يجعل السنوات المقبلة مرحلة عمل بالغة الأهمية، تتطلب مواصلة المشروعات الحالية، وتسريع الإجراءات، وتهيئة شبكات التوزيع لاستقبال الكميات الجديدة بكفاءة.
ولا ينبغي النظر إلى الناقل الوطني بوصفه مشروعًا هندسيًا مستقلًا، بل باعتباره جزءًا من منظومة تشمل كفاءة الشبكات، والطاقة اللازمة للتحلية والضخ، وعدالة التوزيع، والقدرة على تغطية تكاليف التشغيل دون تحميل المواطن أعباء تتجاوز قدرته. فنجاح المشروع لا يُقاس فقط بحجم المياه المنتجة، بل بقدرتها على الوصول المنتظم والآمن إلى المنازل والمنشآت الاقتصادية في جميع المحافظات.
ويمكن أن يبدأ برنامج العمل الوطني بخفض الفاقد وفق أهداف سنوية محددة لكل محافظة ومنطقة، ونشر النتائج بصورة دورية تعزز الشفافية وتساعد في توجيه الموارد إلى المواقع الأكثر حاجة. فالتمييز بين الفاقد الفني الناتج عن تقادم الشبكات وتسرب المياه، والفاقد الإداري المرتبط بالاعتداءات أو أخطاء القياس والتحصيل، يتيح اختيار المعالجة الملائمة لكل حالة.
كما يمكن التوسع في تركيب العدادات الذكية، وتقسيم الشبكات إلى مناطق قياس أصغر تساعد على اكتشاف التسربات، وتسريع الاستجابة للأعطال، وربط مشروعات الصيانة بمقدار المياه التي تنجح في توفيرها، لا بعدد الأعمال المنفذة فقط. ويجب أن يرافق ذلك تدريب الكوادر الفنية، وتطوير قواعد البيانات، واستخدام التقنيات الحديثة في الكشف المبكر عن التسربات.
ومن المهم أيضًا مواصلة حماية المياه الجوفية من الاستنزاف والتلوث، وتأهيل الآبار، والتوسع في الحصاد المائي، وزيادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة، بما يحفظ المياه الصالحة للشرب للاستخدامات المنزلية. كما تتطلب المرحلة وضع خطط طوارئ لكل محافظة لمواجهة تعطل مصدر أو خط رئيسي، خصوصًا خلال أشهر الصيف.
ويتطلب نجاح هذه الإجراءات توزيعًا عادلًا للمياه بين المحافظات، وحماية الشرائح محدودة الدخل، وتشجيع الترشيد دون تحميل المواطن وحده مسؤولية معالجة العجز. فالمواطن يصبح شريكًا حقيقيًا في الحل عندما يلمس تحسن الخدمة، وسرعة إصلاح الأعطال، والجدية في وقف الاعتداءات والهدر.
ويستطيع مجلس الأمة دعم هذا المسار من خلال متابعة مؤشرات محددة، تشمل تقدم مشروع الناقل الوطني، ونسب خفض الفاقد، وكلفة إنتاج المتر المكعب، وكفاءة التوزيع، ومدى التزام المشروعات بجداولها الزمنية. فالدور الرقابي والتشريعي يمثل عنصرًا مساندًا لجهود الحكومة، ويضمن استمرار الملف في مقدمة الأولويات الوطنية.
لقد وضع جلالة الملك، بتكراره اللافت (المياه، المياه، المياه) ، هذا المورد في مكانه الصحيح؛ ليس خدمة يومية فحسب، بل أساسًا للأمن الإنساني الذي يحفظ صحة المواطن وكرامته، وللأمن الاقتصادي الذي يحمي الزراعة والاستثمار والإنتاج، وللأمن الاستراتيجي الذي يصون استقلال القرار الوطني وحقوق الأجيال المقبلة. ويعكس هذا التأكيد الملكي حرصًا عميقًا على مورد وطني محدود، لكنه يشكل ركيزة من ركائز بقاء الدولة واستقرار المجتمع. ومن هنا، فإن الوفاء برسالة خطاب العرش يكون بتحويلها إلى برنامج عمل محدد المواعيد والمسؤوليات، حتى يبقى ماء الأردن مصونًا، وحق الأردنيين فيه محفوظًا، وأمن الوطن راسخًا ومستدامًا.