ارتفاع أسعار النفط عالميًا يضع الأردن أمام معادلة صعبة؛ فإما نقل الزيادة إلى المواطن دفعة واحدة بما تحمله من أعباء معيشية وضغوط تضخمية، أو امتصاص جزء منها بما يفرضه من كلف إضافية على المالية العامة، وما بين الخيارين، تبرز سياسة الرفع التدريجي للأسعار كأداة لتخفيف الصدمة على المواطنين، فما أهمية التدرج؟
ومع اقتراب خام برنت من مستويات 116 إلى 117 دولارًا للبرميل، بفعل التوترات الجيوسياسية ومخاوف الإمدادات، تتزايد الضغوط على كلف استيراد المشتقات النفطية، ما يجعل إدارة انعكاسات هذه الارتفاعات محليًا اختبارًا لقدرة السياسة الاقتصادية على تحقيق التوازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطن واستدامة المالية العامة.
فالمشكلة لا تتوقف عند ارتفاع سعر برميل النفط، بل تمتد إلى الكلف التي تتحملها المملكة لتأمين احتياجاتها من المشتقات النفطية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على سلاسل التوريد وأسواق الطاقة العالمية، وكلما اتسعت الفجوة بين الكلف الفعلية والأسعار المحلية، ارتفعت الأعباء التي تتحملها الحكومة لتخفيف انعكاس هذه الزيادات على المواطنين.
أهمية الرفع التدريجي تكمن في أنه يحد من انتقال الصدمة السعرية دفعة واحدة إلى السوق المحلية، ويمنح الأسر والقطاعات الاقتصادية فرصة للتكيف مع المتغيرات، بدلًا من مواجهة زيادات حادة قد تنعكس سريعًا على كلف النقل والشحن والإنتاج، ثم تمتد إلى أسعار السلع والخدمات.
وتكشف أرقام تسعيرة تشرين الأول حجم هذه المعادلة؛ إذ بلغت الكلفة الفعلية للتر السولار نحو 1077 فلسًا، مقابل سعر محلي بلغ 900 فلس، فيما بلغت كلفة لتر البنزين أوكتان 90 نحو 1112 فلسًا، مقابل 1050 فلسًا للمستهلك. أما الكاز، فقد بلغت كلفته الفعلية نحو 1044 فلسًا للتر، في حين بيع محليًا بسعر 550 فلسًا، ما يعكس فجوة كبيرة تتحمل المالية العامة جانبًا منها.
وهنا تبرز حقيقة اقتصادية لا يمكن تجاهلها؛ فالإبقاء على الأسعار المحلية دون الكلف الفعلية يخفف العبء عن المواطن، لكنه ينقل جزءًا من كلفة الأزمة إلى الموازنة العامة، وبالمقابل، فإن تمرير الارتفاعات العالمية بالكامل وبسرعة قد يزيد الضغوط المعيشية، ويرفع كلف الإنتاج والنقل، ويؤثر في القدرة الشرائية، خصوصًا لدى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
خلاصة القول، إن ارتفاع أسعار النفط يفرض على الأردن خيارات اقتصادية دقيقة، لا تخلو من الكلفة أيًّا كان المسار المتبع، لكن نجاح السياسة لا يقاس بحجم الزيادة أو مقدار الدعم وحدهما، بل بقدرتها على توزيع الأعباء بصورة متوازنة، وحماية القدرة الشرائية للمواطن، وضمان أمن التزود بالطاقة، والحفاظ على استدامة المالية العامة. فالمعادلة ليست بين المواطن والدولة، بل بين كلفة الأزمة اليوم وقدرة الاقتصاد على تجاوزها غدًا
الراي