في يوم الشّيف العالميّ .. حين يصبح الطّبخ علمًا وفنًّا ومعركة نزاهة
أمل المشايخ
22-10-2026 08:31 AM
أتابع باستمتاع المسلسل الكوميدي (خبز وملح) الذي يعرض على قناة رؤيا هذه الأيام والذي شارك في بطولته قصي خولي وشكران مرتجى وليلى جبر (المسلسل من إنتاج ٢٠٠٣).
في هذا المسلسل يتجاوز الطّعام حدود المطبخ؛ ليصبح بطلًا في حكايات النّاس؛ إذ تحمل كلّ حلقة وصفة مختلفة ومعلومة صحيّة، وتنسج حولهما قصّة بطابع كوميديّ واجتماعيّ، وهكذا لا نعود أمام طبق يُعَدّ ثمّ يُستهلك، ولكنّنا أمام حكاية لها مكوّناتها، تمامًا كما للوصفة مقاديرها، وللحياة مفاجآتها التي لا تُكتب في كتب الطّبخ.
ولعلّ أجمل ما في هذا العالم أنّ الطّعام- على بساطته الظّاهرة - قادر على فتح أبواب واسعة للحديث عن الصّحة والعادات الاجتماعيّة والذّوق والذّاكرة، لا بل وعن المنافسة والنّجاح والغيرة أيضًا، فكمْ من وصفة ورثناها عنْ أمّهاتنا وجدّاتنا! وكمْ منْ طبق صار علامة على مدينة أو بلد! وكمْ من (شيف) تحوّل من صاحب موهبة خلف الموقد إلى نجم تتسابق الشّاشات على استضافته!
وبمناسبة يوم الشيف العالميّ الذي يصادف في العشرين من أكتوبر كلّ عام، تبدو العودة إلى هذه الحكايات مدخلًا مناسبًا للتأمّل في مهنة لمْ تعد مجرّد إعداد للطّعام، وإنّما غدتْ علمًا وفنًّا وصناعة تتقاطع فيها الثّقافة بالصّحة، والإبداع بالمنافسة.
في فيلم (امرأة في القمّة / (Woman on Top الذي أدت بطولته (بينيلوبي كروز) يقدّم لنا صورة مختلفة لهذه العلاقة بين الطّعام والفنّ والإعلام؛ ففي الفيلم تؤدّي (كروز) دور مذيعة تقدّم برنامجًا في فنّ الطّبخ؛ تعدّ وصفتها ثمّ تعرض الطّبق في صورته النّهائيّة، وقبل أنْ تختتم كلّ حلقة بعبارة تحمل توقيعها الخاص: "تناولوه مع من تحبّون" وهي عبارة تختصر فلسفة جميلة، ترى في الطّعام أكثر منْ ضرورة حيويّة نؤدّيها على عجل؛ إنّه طقس اجتماعيّ، ومساحة للمحبّة والألفة وتقاسم اللحظات الجميلة، فيما تبدو المذيعة، بطلّتها وأناقتها وحضورها، بعيدة عن الصّورة النّمطيّة للشّيف التّقليديّ الذي يرتدي المريلة ويعتمر القبّعة البيضاء.
ولعلّ الشّيف الأردنيّة ياسمين ناصر قدّمتْ لنا واحدة من أكثر الصّور إنسانيّة لهذه المهنة، حين يتحوّل العلم إلى فعل تضامن، وتصبح الوصفة محاولة للتّخفيف منْ معاناة الآخرين؛ فقد درستْ فنون الطّهي دراسة متخصّصة، ثمّ سخّرت معرفتها وخبرتها لمساعدة أهل غزّة في محنتهم، مبتكرة وصفات تعتمد على أبسط المكوّنات التي يمكن أنْ تتوافر لديهم في ظلّ الحصار ونقص الموادّ الغذائيّة، منْ (دجاج الطّحين) إلى بدائل أخرى تحاكي أطعمة افتقدها الغزيّون، راحت ياسمين تختبر مقاديرها وطرائق إعدادها مدركةً أنّ فشل الوصفة بالنسبة إلى أسرة محاصرة ليس مجرّد تجربة مطبخيّة غير موفقة، لكنّه ربّما يعني إهدار مكوّن غذائيّ نادر، إنّه العلم مقرونًا بالضّمير؛ إذْ تمدّ الشّيف جسرًا من المعرفة والتّضامن إلى أناس يكابدون الجوع، فلا تقاس أهميّة هذه المعرفة بعدد النّجوم التي تنالها المطاعم، ولا بفخامة الأطباق التي تقدّمها، ولكنْ بقدرتها على تحويل ما تعلّمتْه إلى منفعة إنسانيّة، وفي تجربة ياسمين ناصر، تصبح أبسط المكوّنات شهادة على أنّ الإبداع الحقيقيّ لا يُقاس بوفرة المواد، وإنّما بالقدرة على ابتكار الممكن عندما تضيق الخيارات، وبأنّ المطبخ قدْ يكون - في لحظات المحنة - مساحة للأمل ووجهًا منْ وجوه المسؤوليّة الأخلاقيّة.، ومن ينسى دموع ياسمين وهي تستمع للغزيّين يشكرونها على نجاح وصفاتها.
في يوم الشّيف العالميّ تحيّة لكلّ شيف يجعل منْ مهنته رسالة، ومنْ إبداعه قيمة، ومن الأمانة قاعدة لا تقبل المساومة؛ فالمذاق الجميل قدْ يسترعي الانتباه، لكنّ النّزاهة تحفظ الثّقة، وتمنح النّجاح نكهته الحقيقيّة، ولعلّ أجمل الوصفات - في نهاية المطاف - هي تلك التي نتناولها مع منْ نحبّ؛ لأنّ الطّعام حين يجمع القلوب يصبح أكثر منْ طبق؛ إنّه حكاية تستحقّ أنْ تُروى.