العقيدة الوطنية أم الولاء للجماعة؟ الجيش ألأردني والمصري قدوة
م. وائل سامي السماعين
21-10-2026 09:06 AM
لم أتعلّم معنى العقيدة الوطنية من كتاب في السياسة؛ عرفتها أولاً من سيرة والدي، ثم رأيتها في رجال الجيش العربي الأردني، ووجدت صداها لدى ضباط ومهندسين زاملتهم ممن خدموا في القوات المسلحة المصرية. كان المعنى واحداً: الوطن فوق الانتماءات، والدولة لجميع أبنائها.
خدم والدي في الأجهزة الأمنية الأردنية منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى منتصف الستينيات، حين كانت المنطقة تموج بالانقلابات والصراعات السياسية والأيديولوجية. ومن قراءتي لتلك المرحلة، ترسّخت لديّ قناعة بأن أحد عوامل صمود الأردن كان ولاء رجال مؤسساته العسكرية والأمنية لوطنهم ودولتهم وقيادتهم الهاشمية، بعيداً عن صراعات الأحزاب والتنظيمات.
ولم تكن هذه الروح محصورة في المؤسسات؛ فقد عرفتها في مجتمع عاش فيه المسلم والمسيحي شريكين في الوطن. وطوال حياة والدي لم أسمعه يسيء إلى أردني بسبب دينه أو معتقده، ولم يزرع فينا الكراهية تجاه المختلف. كان يحدثنا عن محاسن الناس، وعن كرم أهل الكرك مسقط رأسه وشهامتهم والروابط التي تجمع الأردنيين. ومنه تعلّمت أن الوطنية قيم تُعاش، وأن الوفاء للوطن يبدأ باحترام أبنائه.
لاحقاً، وجدت المعنى ذاته لدى زملائي المصريين؛ اختلفت آراؤهم، لكن مصر بقيت الجامع بينهم. وهنا أدركت أن جوهر العقيدة الوطنية هو أن يكون الجيش مؤسسة للوطن كله، لا لحزب أو جماعة أو طائفة.
ومن هذه التجارب فهمت الفرق بين الانتماء إلى تنظيم وتحمل مسؤولية الدولة. فمن حق الأحزاب أن تكون لها مرجعياتها وبرامجها، لكن من يتولى الحكم يصبح مسؤولاً عن شعب كامل، بمن فيه معارضوه. فلا تتحول الوظائف إلى مكافآت للموالين، ولا المؤسسات إلى امتداد للجماعة، ولا الحقوق إلى امتيازات تُمنح بحسب الانتماء.
وفي قراءتي لتجربة الإخوان المسلمين في الحكم بمصر، يبرز هذا التحدي: الانتقال من منطق التنظيم إلى مسؤولية الدولة. وهو اختبار يواجه كل تيار سياسي، أياً كانت مرجعيته، عندما يضع مصلحة جماعته فوق المصلحة الوطنية. فحين تصبح الجماعة أكبر من الوطن يبدأ الانقسام، وحين يكون الوطن أكبر من الجماعة تتسع الدولة للجميع.
لهذا تكتسب العقيدة الوطنية للمؤسسات العسكرية والأمنية أهميتها؛ فواجبها حماية الأرض والشعب والمؤسسات وفق الدستور والقانون، دون تمييز بين المواطنين. لكن احترامها لا يعني إعفاءها من المساءلة، كما أن نقد الحكومات والمعارضة السلمية لا ينتقصان من وطنية أحد.
وأرى أن حضور هذا المفهوم أسهم في صمود الأردن وتماسك مؤسسات الدولة المصرية. غير أن التماسك لا تحميه الشعارات وحدها؛ تحميه العدالة وسيادة القانون والمساواة، وشعور المواطن بأن كرامته وحقوقه مصانتان حسب ميثاق الامم المتحدة لحقوق الانسان .
ومن هنا أؤمن بدولة مدنية تحترم الدين وتحمي حرية المعتقد، ولا تسمح باحتكار مؤسساتها باسم جماعة أو أيديولوجيا. ومعادلتها واضحة: حكم مدني، وقانون فوق الجميع، ومواطنة متساوية، وجيش عقيدته وطنية.
فالأردن لكل الأردنيين، ومصر لكل المصريين. وحب الوطن يعني صون حق شريكنا فيه؛ فلا حزب يملكه، ولا طائفة تختصر شعبه، ولا جماعة تعلو عليه.