قبل أن نُوطّن المسيّرات .. من يملك حق تطويرها؟
21-10-2026 12:05 PM
* توطين صناعة المسيّرات ومعركة امتلاك المعرفة وحقوق التطوير
عمون - من المحامي أسامة موسى البيطار - قد تحمل الطائرة عبارة ((صُنع في الأردن))، بينما يحتفظ طرف آخر بحق الموافقة على تعديل برمجياتها أو تطوير تصميمها أو تصديرها. وقد يبتكر مهندس أردني تحسيناً مهماً، ثم تؤول حقوق استغلاله، بموجب بند تعاقدي، إلى صاحب التكنولوجيا الأصلية. عندها يصبح السؤال: كم من هذه الصناعة نملك فعلاً؟
يفتح التوجه إلى توطين صناعة الطائرات المسيّرة فرصة لبناء قدرات هندسية وإنتاجية أردنية. ولتعظيم هذه الفرصة، ينبغي أن تبدأ المفاوضات بسؤال يسبق شراء المعدات: ما الحقوق والمعارف التي ستنتقل إلينا، وما الذي سنستطيع تطويره بأنفسنا؟
فملكية المصنع تختلف عن ملكية التكنولوجيا، والترخيص بالتصنيع لا يمنح تلقائياً حق التعديل أو منح تراخيص للغير أو دخول أسواق جديدة. قد يسمح العقد بإنتاج نموذج محدد داخل الأردن، ويُبقي استعماله في مجالات أخرى أو تصديره إلى أسواق معينة خاضعاً لموافقة مسبقة. ولهذا فإن القيمة الصناعية لعبارة ((نقل التكنولوجيا)) تتحدد بما وراءها من حقوق والتزامات قابلة للتنفيذ.
وتظهر المسألة الأكثر حساسية عندما يبدأ الفريق الأردني بإنتاج معرفة جديدة. لنتصور أن شركة أجنبية قدّمت تقنية أساسية، ثم نجح مهندسون محليون في تحسين كفاءتها. هنا يجب الفصل بين الملكية الفكرية السابقة على المشروع والنتائج الناشئة عنه، وتحديد حقوق كل طرف في التحسينات.
ومن البنود التي تستحق التدقيق ما يُعرف بالتراخيص الراجعة، التي تمنح صاحب التكنولوجيا الأصلية حقوقاً في التحسينات التي يطورها المرخَّص له. وقد يكون هذا الترتيب متوازناً ومفيداً للطرفين، لكن أثره يتوقف على نطاقه وحصريته والمقابل المقرر له. والسؤال الذي لا يجوز تأجيله: هل يستطيع الطرف الأردني استثمار ابتكاره بصورة مستقلة، أم يسهم في تطوير أصل لا يملك حرية الانتفاع به؟
وهناك مفارقة أخرى: امتلاك براءة اختراع لا يعني بالضرورة امتلاك حرية استغلال المنتج تجارياً. فقد يكون التحسين المحلي قابلاً للحماية، بينما يتطلب تطبيقه استعمال تقنية أساسية محمية بحقوق للغير في السوق المستهدفة. ولهذا يكتسب فحص ((حرية التشغيل)) أهمية توازي تسجيل البراءات؛ فهو يبحث فيما إذا كان تصنيع المنتج وبيعه واستعماله قد يصطدم بحقوق نافذة. وتعقيد مشهد براءات المسيّرات يجعل هذا الفحص جزءاً من قرار الاستثمار والتصدير.
كذلك، لا تكفي جنسية المبتكر لتحديد من يملك حقوق استغلال ابتكاره. ينبغي التحقق مما إذا كانت الحقوق باسمه، أو باسم شركة، أو انتقلت إلى ممول أو شريك سابق، وما إذا كانت مثقلة بتراخيص أو التزامات. فوجود كفاءة وطنية فرصة ثمينة، وتحويلها إلى قدرة صناعية يحتاج إلى سند واضح يربط صاحب الحق بالمشروع.
وهنا تأتي أهمية ((تسلسل ملكية الحقوق)): من أنشأ التصميم أو البرمجيات؟ وبأي صفة؟ وما الحقوق التي انتقلت إلى الشركة؟ وهل تملك تعديلها وترخيصها؟ هذه الأسئلة تصبح حاسمة عندما تتوزع أعمال التطوير بين موظفين ومستقلين وجامعات وشركاء. وقد تكون التقنية ناجحة، بينما تعجز الشركة عن إثبات الحقوق اللازمة لاستثمارها أو إدخال شريك جديد فيها.
أما المعرفة الفنية التي لا تظهر على هيكل الطائرة، فقد تكون من أثمن أصول المشروع: إجراءات التصنيع، ومعايير ضبط الجودة، ونتائج الاختبار، والشيفرة المصدرية. وبعض هذه الأصول قد يناسبه نظام الأسرار التجارية، بما يتطلبه من ضبط فعلي للوصول والاستعمال، لا الاكتفاء بتوقيع اتفاقية سرية.
لذلك، أقترح أن يصاحب كل مشروع توطين يستفيد من دعم عام فحصٌ قانوني للملكية الفكرية، وملحق تعاقدي يحدد الحقوق السابقة والمستحدثة، ونطاق التصنيع والتعديل والتصدير، وحقوق الصيانة والاستمرار عند انتهاء العلاقة، ضمن القيود القانونية ذات الصلة. ويُربط الدعم بمراحل تثبت انتقال القدرة: ماذا أصبح الفريق المحلي قادراً على فهمه وحلّه وتطويره؟
ومن المفيد أن يُختبر المشروع بسؤال افتراضي قبل توقيع عقوده: إذا توقف الشريك عن تقديم الدعم، فما الذي يستطيع الطرف الأردني مواصلة إنجازه بصورة مشروعة؟ الإجابة تكشف مقدار المعرفة التي استوعبناها، والحقوق التي أمّناها، وكلفة الاعتماد المتبقية.
ليس ضرورياً أن نملك كل مكوّن كي نبني صناعة ناجحة. لكن من الضروري أن نعرف بدقة ما نملكه، وما نرخصه، وما نستطيع تطويره.
فالطائرة الأولى تثبت قدرتنا على الإنتاج؛ أما حق تطوير الطائرة التالية فيحدد مقدار الصناعة التي وطّنّاها.