العمالة والتشغيل في الأردن: حماية الفرص واستدامة الاقتصاد
م. سعيد المصري
15-10-2026 09:18 AM
* الجزء الأول من ثلاثة: بطالة الأردنيين والعمالة الوافدة — حدود الإحلال وشروطه
كيف تستمر البطالة المرتفعة بين الأردنيين، بينما يشغل غير الأردنيين وظائف كثيرة في اقتصادنا؟ سؤال مشروع يتجدد مع كل قرار لتنظيم العمالة الوافدة أو تصويب أوضاعها. لكن الإجابة تحتاج إلى النظر في طبيعة الوظائف، وشروط تشغيلها، وقدرة الأردنيين واستعدادهم لشغلها، وأثر السياسات في استمرار النشاط الاقتصادي. أتناول هذه العلاقة في ثلاثة أجزاء مترابطة: حدود الإحلال بين العمالة المحلية والوافدة، وكلفة العمالة على المنتج والأسرة، ثم مستقبل العمل في ظل الذكاء الاصطناعي.
أقدّر حرص الزملاء الذين اعترضوا على تسوية أوضاع العمالة التي دخلت المملكة لأغراض غير العمل، ثم التحقت بسوق العمل بصورة مخالفة. وأتفهم دعوتهم إلى ألا يصبح تجاوز القانون أقل كلفة من الالتزام به. غير أن حماية فرص الأردنيين تستدعي التمييز بين سؤالين: كيف نحاسب المخالفة ونمنع تكرارها؟ وكيف نوفر العمالة التي يحتاجها الاقتصاد، مع إعطاء الأردني فرصة حقيقية للعمل؟
ولضبط النقاش، أوضحت وزارة العمل أن مبلغ ٥٠٠ دينار الوارد في القرار الأخير يخص تسوية السنوات السابقة لمن دخلوا لغير العمل ولم يحصلوا سابقًا على تصريح، وتضاف إليه رسوم تصريح جديد. وتصحيح هذه المعلومة لا يحسم عدالة القرار؛ فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت التسوية ستقود إلى امتثال مستدام، أم ستعزز توقع تسويات لاحقة تشجع على المخالفة. [١]
كما ينبغي الفصل بين دخول قانوني للسياحة أو الدراسة أعقبه عمل مخالف، وبين إثبات أن الدخول نفسه قام على تضليل متعمد. وفي الحالتين، لا تكتمل المساءلة إذا انحصرت بالعامل وتجاوزت صاحب العمل الذي شغّله أو الوسيط الذي انتفع من وضعه.
أما حجم التحدي، فتوضحه دائرة الإحصاءات العامة: بلغت بطالة الأردنيين ٢١٪ في الربع الثاني من عام ٢٠٢٦، مقابل ٢١٫٣٪ في الفترة نفسها من العام السابق. أما نسبة ١٦٫١٪ فتخص مجموع السكان الأردنيين وغير الأردنيين. لذلك لا يجوز تصوير الفرق بين النسبتين باعتباره انخفاضًا في بطالة الأردنيين؛ فهما تقيسان مجموعتين مختلفتين. [٢]
وتكشف المقارنة عبر السنوات استمرار المشكلة؛ فقد بلغت بطالة الأردنيين ١٩٫١٪ عام ٢٠١٩، وارتفعت إلى ٢٤٫١٪ عام ٢٠٢١، ثم انخفضت إلى ٢١٫٤٪ عام ٢٠٢٤. هذه مسيرة تحسن بعد ارتفاع حاد، لكنها ما تزال بعيدة عن معالجة الاختلال. كما أن الدائرة تشير إلى اعتماد منهجية جديدة منذ ٢٠١٧، وهو أمر يجب مراعاته عند المقارنة مع السنوات الأسبق. [٣]
ومع ذلك، فإن مقابلة عدد المتعطلين بعدد الوافدين لا تكفي لإثبات إمكان الإحلال. فعامل البناء، والعاملة المنزلية المقيمة، والعامل الزراعي الموسمي، والخريج الباحث عن وظيفة تخصصية، لا يمثلون وحدات متطابقة يمكن استبدال بعضها ببعض. تختلف المهارات والمواقع والساعات ومتطلبات الإقامة والجهد والاستقرار، وتختلف معها إمكانية قبول الوظيفة والاستمرار فيها.
والصياغة الأدق هي أن العامل الوافد شغل وظيفة وجد صاحب العمل من يقبل شروطها. أما القول إن الأردني رفضها، فيحتاج إلى معرفة: هل عُرضت عليه فعلًا؟ وبأي أجر وساعات وضمانات؟ وهل كانت قريبة من سكنه، أو توفر لها نقل مناسب؟ وهل رفضها العامل، أم لم يقبله المشغّل؟
قد يكون النقص في المهارات، أو في عدد المتاحين، أو في الأجر الذي تستطيع المنشأة دفعه، أو في استعداد الباحث عن العمل لقبول طبيعة المهنة. وقد يفضّل صاحب العمل الوافد لاستمراريته أو مرونته، وربما لضعف قدرته على التفاوض. هذه احتمالات مختلفة، ولا يصح جمعها تحت تفسير واحد.
ولذلك أتحفظ على تعميم أن الأردني يعزف عن العمل اليدوي أو يبحث عن وظيفة قليلة الجهد والمساءلة. ففي عام ٢٠٢٤ كان ٦١٫٧٪ من المشتغلين الأردنيين يعملون في القطاع الخاص، وشكّل الحرفيون ١١٫٩٪، والعاملون في المهن الأولية ٧٪ من المشتغلين الأردنيين. هذه الأرقام لا تنفي وجود تفضيلات وظيفية، لكنها تمنع تحويلها إلى حكم عام على العامل الأردني. [٣]
وفي المقابل، لا ينبغي إنكار أن بعض الباحثين ينتظرون وظائف محددة، أو يستبعدون مهنًا بعينها. المطلوب قياس أسباب ذلك، واختبار مدى تغير الإقبال إذا تحسنت الشروط. كما أن وجود مهام بدنية أو عدم اشتراط شهادة جامعية لا يعني انعدام المهارة؛ فالزراعة والبناء والخدمات المنزلية تتطلب خبرة ومسؤولية، تختلف باختلاف المهمة.
ومن الضروري أيضًا تدقيق المصطلحات. فالخريج الذي لا يجد عملًا ويبحث عنه ليس في «بطالة مقنّعة» لمجرد تمسكه بتخصصه؛ قد تكون حالته مرتبطة بعدم التوافق بين التعليم والطلب. أما البطالة المقنّعة فتشير عادة إلى عمالة موجودة يزيد عددها على حاجة الإنتاج أو الخدمة. ومن يعمل دون مستوى تأهيله يعاني عدم مواءمة، ومن يعمل ساعات غير كافية ويريد زيادتها قد يقع ضمن العمالة الناقصة.
ويصنّف القياس الدولي من يعمل بأجر أو لتحقيق ربح، ولو ساعة خلال أسبوع الإسناد، ضمن المشتغلين. وهذا لا يعني أن دخله كافٍ أو عمله مستقر؛ لذلك يجب قراءة البطالة إلى جانب ساعات العمل والأجور والمشاركة الاقتصادية. [٤]
كذلك لا تتوافر في الأدلة التي راجعتها قرينة تكفي لنسبة الانخفاض الحديث في البطالة إلى اكتشاف اقتصاد الظل. فمنهجية المسح تتضمن منذ تطويرها عام ٢٠١٧ أسئلة عن القطاع غير المنظم والعمالة الناقصة. واكتشاف عمل قائم إحصائيًا، وتسجيله رسميًا، وخلق وظيفة جديدة، عمليات مختلفة ينبغي عدم الخلط بينها. [٥]
وتحتاج الرقابة بدورها إلى الوصول إلى المستفيد الحقيقي من المخالفة. فإذا سُجّل عامل باسم مشغّل لا يستخدمه فعليًا، وتقاضى الأخير مبالغ مقابل السماح له بالعمل لدى الآخرين خارج الترتيبات القانونية، فإن معالجة وضع العامل وحده تترك مصدر الخلل قائمًا. لكن لا يصح وصف كل حالة تلقائيًا بالاستعباد؛ فالعمل الجبري يرتبط بالإكراه وتقييد الحرية، وقد تكون الديون والتهديد وحجز الأجور أدوات له بحسب الوقائع. [٦]
ما نحتاج إليه هو ربط بيانات الشواغر بالمتقدمين والعروض الفعلية وأسباب الرفض أو عدم التعيين، ثم متابعة الاستمرار في العمل. عندها نميز بين وظائف قابلة للإحلال الآن، وأخرى تحتاج تدريبًا وتحسينًا، وثالثة يثبت فيها نقص محلي. وبالتوازي، يبقى توسيع الاستثمار والطلب على العمل ضروريًا؛ فإعادة توزيع الوظائف القائمة وحدها لا تستوعب الداخلين الجدد إلى السوق.
لكن الإحلال لا يتوقف على المهارة والاستعداد وحدهما. فكلفته تقع على منشأة تنافس في السوق، أو أسرة موظفة تحتاج إلى مساعدة منزلية لتستمر في كسب دخلها. ولهذا يتناول الجزء الثاني كلفة العمالة وصلتها بتنافسية المنتج واستقرار الأسرة؛ إذ ينبغي أن تؤدي حماية فرص الأردنيين إلى زيادة تشغيلهم ودخولهم، مع الحفاظ على الشروط الاقتصادية التي تسمح باستمرار العمل.
المراجع:
[١] وزارة العمل الأردنية، خمس نقاط توضح قرار مجلس الوزراء بشأن العمالة غير الأردنية، ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.رابط المصدر
[٢] دائرة الإحصاءات العامة، انخفاض معدل البطالة لإجمالي السكان إلى ١٦٫١٪ في الربع الثاني ٢٠٢٦، ٣١ آب ٢٠٢٦.رابط المصدر
[٣] دائرة الإحصاءات العامة، الأردن بالأرقام ٢٠٢٥، جداول العمالة والبطالة وبيانات عام ٢٠٢٤.رابط المصدر
[٤] منظمة العمل الدولية، تعريف المشتغلين ومعيار الساعة الواحدة، ١٤ نيسان ٢٠١٦.رابط المصدر
[٥] دائرة الإحصاءات العامة، العمالة والبطالة، منهجية مسح قوة العمل وتطويره منذ ٢٠١٧.رابط المصدر
[٦] منظمة العمل الدولية، أسئلة وأجوبة حول الأعمال وهجرة اليد العاملة، رسوم الاستقدام ومؤشرات العمل الجبري.رابط المصدر