facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين ثقة الأردنيين بالحكومة وضغط المعيشة .. أين تقع المسافة؟


فيصل تايه
15-10-2026 09:47 AM

تضعنا نتائج استطلاع الرأي الأخير حول أداء الحكومة، الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، أمام صورة تستحق قراءة متأنية. فقد عبّر ٦٦% من أفراد العينة الوطنية عن ثقة كبيرة أو متوسطة بالحكومة، ورأى ٦٤% أنها قادرة على تحمّل مسؤوليات المرحلة.

وفي الجانب الاقتصادي، قال ٤٤% إن أوضاعهم أصبحت أسوأ مما كانت عليه قبل عام، فيما رأى ٤٣% أنها بقيت على حالها، ولم يشعر بالتحسن سوى ١٢%.

غير أن ثمة تفصيلاً مهماً في هذه النتائج؛ فنسبة من يرون أن أوضاعهم ساءت تراجعت من ٥١% في استطلاع نيسان إلى ٤٤% في الاستطلاع الأخير. وهذا مؤشر إيجابي لا يصح تجاهله، لكنه لا يعني بالضرورة أن تحسناً ملموساً أصبح حاضراً في حياة الناس.

فالفرق كبير بين أن يتراجع الشعور بتدهور الأوضاع، وأن يشعر المواطن بأن ظروفه أصبحت أفضل. قد يعني المؤشر الأول أن الضغوط لم تعد تتزايد بالوتيرة السابقة، لكن ذلك لا يعني أن دخل الأسرة أصبح أكثر قدرة على تغطية احتياجاتها، أو أن التزاماتها الشهرية باتت أخف.

وحين يقول ٤٣% إن أوضاعهم لم تتغير، مقابل ١٢% فقط لمسوا تحسناً، فإننا أمام صورة لا تشير بالضرورة إلى تفاقم التدهور، لكنها تكشف أن التحسن لم يصل بعد إلى شريحة واسعة من المواطنين.

ومن هنا، تقتضي قراءة الأرقام بإنصاف الاعتراف بانخفاض نسبة من يرون أن أوضاعهم ساءت، من دون الخلط بين هذا الانخفاض وتحسن المعيشة فعلاً .

ولا تناقض بين ثقة المواطن بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة، واستمرار قلقه بشأن أوضاعه المعيشية. فالمواطن قد يثق بقدرة الدولة على إدارة الملفات العامة، ويتفهم ما يحيط بالأردن من تحديات إقليمية واقتصادية، لكنه حين يقيّم وضع أسرته ينظر إلى دخله والتزاماته وما يتبقى له في نهاية الشهر.

قد يقدّر قدرة الحكومة على التعامل مع الظروف، لكنه ينتظر أن يرى أثر هذه القدرة في فرص العمل، وكلفة احتياجاته، وقدرته على التخطيط لمستقبل أسرته.

انا اقول: ليست كل ثقة تعني الرضا، وليس كل ضيق معيشي يعني فقدان الثقة؛ غير أن استمرار المسافة بينهما يضع أمام الحكومة مسؤولية لا يمكن اختزالها في شرح الظروف أو عرض المؤشرات.

والإنصاف يقتضي أيضاً ألا نحمّل الاستطلاع أكثر مما تحتمل نتائجه. فهو يرصد آراء الناس وتقييماتهم في فترة محددة، لكنه لا يفسر وحده أسبابها، ولا يثبت أن سياسة بعينها هي التي أنتجت هذا التغير.

ومع ذلك، فإنه يقدم إشارة تستحق اهتمام صانع القرار: هناك ثقة بقدرة الحكومة، لكن التحسن الاقتصادي الذي يشعر به المواطنون لا يزال محدوداً.

وهذه الإشارة ينبغي أن تكون حافزاً للبناء على ما تحقق، لا مبرراً للاكتفاء به، كما لا يجوز أن تتحول الضغوط المعيشية إلى ذريعة لإنكار أي تقدم.

المطلوب في المرحلة المقبلة أن تنتقل السياسة الاقتصادية من إدارة الضغوط إلى تحسين شروط الحياة والعمل. وهذا لا يتحقق بكثرة القرارات أو بإعلان المبادرات وحده، بل بقدرة هذه القرارات على إحداث فرق يمكن قياسه في حياة المواطنين.

ففي ملف التشغيل، مثلاً، لا يكفي أن نحصي الوظائف المعلنة؛ بل ينبغي أن نعرف كم أردنياً وصل إليها، وكم منها يوفر عملاً مستقراً ودخلاً مناسباً.

كما أن دعم القطاعات الاقتصادية لا ينبغي أن يُقاس بحجم الحوافز المقدمة لها وحده، بل بما تولّده من فرص عمل منتجة، وبما تتيحه للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من قدرة على النمو والاستمرار.

أما تطوير الخدمات العامة، فتظهر قيمته حين يخفف الوقت والكلفة والأعباء عن الناس، لا حين يقتصر أثره على تحسين الإجراءات.

ولا يعني ذلك مطالبة الحكومة بنتائج فورية في اقتصاد تحكمه موارد محدودة وظروف إقليمية متقلبة، أو تجاهل ما قد تحققه من تقدم في بعض الملفات. لكنه يعني أن يكون مسار العمل واضحاً، وأن يعرف المواطن ما الذي تحقق، وما الذي لا يزال متعثراً، وكيف ستُقاس النتائج خلال المرحلة المقبلة.

فالناس تدرك أن الاقتصاد لا يتغير بقرار واحد، لكنها تحتاج إلى أن ترى اتجاهاً واضحاً نحو الأفضل، وأن تلمس أن الجهود المبذولة تقود إلى نتائج، لا أن يبقى الصبر المطلوب منها مفتوحاً بلا أفق محدد.

وتمنح الثقة التي أظهرها الاستطلاع الحكومة مساحة لمواصلة العمل، لكنها تجعل مسؤولية تحويل هذه الثقة إلى نتائج أكثر إلحاحاً.

فالمعيار الأهم ليس أن تتكرر النسب الإيجابية في استطلاع لاحق فحسب، بل أن تتسع دائرة المواطنين الذين يشعرون بتحسن أوضاعهم، وأن يجد الأردني في فرص العمل والدخل والخدمات ما يثبت أن السياسات العامة تستجيب لاحتياجاته الفعلية.

في النهاية، لا يكفي أن يثق المواطن بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة؛ ما ينتظره هو أن يرى في هذه القدرة فرقاً في حياته. فالثقة تمنح الحكومة فرصة، لكن الأثر هو ما يمنح هذه الثقة أسباب الاستمرار.

وبين ما تقوله الأرقام وما يعيشه الناس، تتحدد قيمة السياسات العامة، ويُقاس النجاح بما يتغير فعلاً في حياة الأردنيين.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :