مسرحية الـ2% من العلماء الأكثر تأثيراً .. حين يصبح الوهم إنجازاً أكاديمياً
د. مثقال القرالة
14-10-2026 10:40 AM
في كل عام، يتكرر المشهد الأكاديمي ذاته؛ تهاني وتبريكات، وصور تتصدر المواقع الإلكترونية، ومنشورات احتفالية تعلن انضمام هذا الباحث أو ذاك إلى قائمة أفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيراً في العالم.
وتتسابق بعض الجامعات إلى نشر أسماء منتسبيها وكأنها حققت فتحاً علمياً غير مسبوق.
ولكن وسط هذه الاحتفالات، يبرز سؤال لا يبدو أن كثيرين يرغبون في الإجابة عنه: هل نحن أمام تأثير علمي حقيقي، أم أمام مسرحية أكاديمية أبطالها الأرقام، وجمهورها مؤسسات تخلط بين السمعة العلمية والمؤشرات الببليومترية؟.
المفارقة أن بعض من يحتفلون بهذه الألقاب قد لا يمتلكون الكفاءة المنهجية التي يفترض أن تكون من أبجديات البحث العلمي. وقد يصعب على بعضهم التمييز بين المتغير التابع والمتغير المستقل، أو تفسير نموذج إحصائي، أو الدفاع عن المنهجية المستخدمة في أبحاث تحمل أسماءهم.
فكيف يمكن أن نحتفي بالتأثير العلمي لباحث قبل أن نتأكد من قدرته على فهم ما نُشر باسمه؟ وهل أصبحت كثرة الاستشهادات دليلاً كافياً على المعرفة والكفاءة والأصالة العلمية؟.
ولكي نكون منصفين، فإن قائمة الـ2% ليست اختراعاً وهمياً في أصلها؛ فهي تستند إلى مؤشرات استشهاد علمي وقواعد بيانات معروفة، وترتبط بعمل بحثي منشور لباحثين من جامعة ستانفورد وغيرهم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المؤشر الإحصائي إلى شهادة تفوق مطلق، وعندما يُقدّم ترتيب قائم على الاستشهادات بوصفه حكماً نهائياً على جودة الباحث وكفاءته.
فالاستشهاد بالبحث لا يعني بالضرورة الإعجاب به، وكثرة النشر لا تعني بالضرورة جودة المعرفة، والوجود في قائمة رقمية لا يمنح صاحبها حصانة من المساءلة العلمية.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد أضاف إلى هذه الإشكالية بُعداً أكثر خطورة.
فقد أصبح بالإمكان الاستعانة بأدواته في إعداد المسودات، وتحليل البيانات، وصياغة المناقشات، وإنتاج أجزاء واسعة من الأوراق البحثية خلال وقت قصير.
وهذه الأدوات ليست مشكلة بحد ذاتها، بل قد تكون وسيلة مشروعة لتطوير البحث العلمي. لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول إلى بديل عن عقل الباحث، وعندما يُنشر بحث لا يستطيع صاحبه تفسير نتائجه أو الدفاع عن فرضياته.
وهنا يصبح السؤال: هل نقيس التأثير العلمي للباحث، أم نقيس قدرته على إنتاج أوراق تحمل اسمه، بغض النظر عن مقدار مساهمته الفكرية الحقيقية فيها؟.
والأخطر من ذلك كله هو ما يُثار حول تجارة الانتماءات الأكاديمية، حيث تظهر أسماء باحثين منسوبة إلى جامعات لا يمارسون فيها عملاً أكاديمياً فعلياً، وتُطرح تساؤلات جدية حول منح عناوين بريد إلكتروني جامعية أو استخدام أسماء المؤسسات في الأبحاث مقابل منافع مالية.
وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فإننا لا نتحدث عن خلل بسيط في التصنيف، بل عن تضليل مؤسسي يمس النزاهة الأكاديمية.
فكيف تحتفل جامعة بباحث على أنه أحد أعضاء هيئتها التدريسية، بينما لا يدرّس فيها، ولا يشرف على طلبتها، ولا يشارك في أنشطتها العلمية؟ وهل أصبح الانتماء الجامعي سلعة تُباع وتُشترى من أجل تحسين ترتيب المؤسسات في التصنيفات الدولية؟.
إن مسؤولية الجامعات هنا أكبر من مسؤولية الأفراد؛ فالجامعة التي تتسابق إلى نشر صور الباحثين المصنفين مطالبة أولاً بالتحقق من طبيعة علاقتها بهم، ومن مساهماتهم البحثية الفعلية، ومن سلامة الإجراءات التي أُنتجت بها تلك الأبحاث.
وليس من المقبول أن تتحول العلاقات العامة إلى بديل عن الرقابة الأكاديمية، أو أن تصبح المؤشرات الرقمية غاية تبرر التغاضي عن أسئلة النزاهة والجودة.
فالجامعة ليست شركة تسويق للألقاب، والبحث العلمي ليس سباقاً لجمع الاستشهادات بأي ثمن. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمعايير العلمية الحقيقية؛ إلى باحث يفهم ما يكتب، ويناقش ما ينشر، ويقدم معرفة تضيف إلى تخصصه، لا مجرد اسم يتكرر على عشرات الأوراق. كما نحتاج إلى تدقيق مستقل في الانتماءات المؤسسية، وإفصاح واضح عن مساهمات المؤلفين، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ومراجعة أنماط النشر والاستشهادات غير الطبيعية.
فالتأثير العلمي لا يُقاس بالأرقام وحدها، وإنما بما يتركه البحث من أثر معرفي وتطبيقي قابل للتحقق.
وأخيراً، ليس المطلوب التقليل من إنجاز الباحثين الجادين الذين استحقوا مكانتهم بعمل علمي رصين، وإنما حماية إنجازاتهم من أن تضيع وسط ضجيج الاحتفالات والتضخم المصطنع للمؤشرات.
وعلى الجامعات أن تدرك أن إعلان اسم باحث ضمن قائمة عالمية لا يثبت وحده جودة البحث ولا نزاهة المؤسسة. فليس كل من دخل قائمة الـ2% عالمًا مؤثراً بالمعنى الحقيقي، وليس كل عالم مؤثر بحاجة إلى قائمة تثبت قيمته.
والسؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: كم باحثاً لدينا ضمن أفضل 2%؟ بل: كم باحثاً لدينا يستطيع أن يدافع علمياً عن الأبحاث المنشورة باسمه، وكم جامعة تجرؤ على تدقيق الأسماء التي تحتفل بها؟