facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي للكاتب برتران بادي


08-10-2026 11:10 AM

عمون - يُعدّ كتاب “الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي” للعالم السياسي الفرنسي برتران بادي (Bertrand Badie) واحداً من أهم الأعمال الأكاديمية التي قاربت إشكالية الدولة في العالم غير الغربي. صدر الكتاب بالفرنسية عام 1992 تحت عنوان L’État importé: Essai sur l’occidentalisation de l’ordre politique، وتُرجم إلى العربية لاحقاً.

وينطلق بادي من أطروحة مركزية مفادها أن نموذج “الدولة-الأمة” الحديثة هو منتج غربي خالص نبت في سياق تاريخي وثقافي واجتماعي خاص بأوروبا، ثم جرى “تصديره” أو فرضه على بقية دول العالم خلال وبعد حقبة الاستعمار.

ويخلص المؤلف إلى أن هذا النقل الحرفي للنموذج الغربي قد فشل، وأن هذا الفشل هو سبب الصدمات الاجتماعية المتعددة وعامل الفوضى في العلاقات الدولية.

الإطار النظري والمنهجي

ويقارب بادي أنموذج الدولة العربية والإسلامية من منظور علم الاجتماع السياسي، وبالأخص بدءاً من مبحث “التنمية السياسية”.

ويريد لمقاربته هذه أن تتجاوز المقاربات “التأحيدية” السائدة التي تبحث عن “التشابهات” بين شروط إنشاء الدولة أينما كانت وتهمل “الفروقات”، دون أن يتبنى في المقابل خطاب “التعددية الثقافية” الذي يتحدث عن “حداثات متعددة” بلا قواسم مشتركة. فهو يأخذ موقفاً وسطياً بين “التأحيد” التنميطي و”التعديد” التشتيبي، معتبراً أن ثمة “تقنيات سياسية مشتركة وعامة” إلى جانب إشكالية موحدة هي “إشكالية التحديث السياسي”.

مفهوم الدولة المستوردة وآليات الاستيراد

ويفرّق بادي بين نشأة الدولة في الغرب ونشأتها خارج الغرب. ففي أوروبا، استوى التحديث السياسي مع عملية “توريثية” بطيئة لتحرير النظام الإمبراطوري وتحرير الحيز السياسي، إلى جانب تشكيل مجال عمومي خاص بالمجتمع المدني.

أما في العالم الإسلامي، فقد تشكّل الحيز السياسي تدريجياً تبعاً لمنطق الإمبراطورية (الخلافة الإسلامية) المرتبطة بعقدية جديدة وشروط تعميمها، مما جعل النظام الإمبراطوري نظاماً سياسياً سابقاً عن بناء الدولة ومشكلاً تحدياً مزدوجاً: التغلب على نظام سياسي مشتت تقليدي، وطبيعة جماعية طاغية لا تترك مكاناً للفردانية.

ويشير بادي إلى أن الاستعمار، ثم تصفية الاستعمار التي كان من المفترض أن تمنح مجتمعات العالم الثالث وسيلة للعثور على تنظيم يتطابق مع تقاليدها، لم تفعل ذلك، بل زادت من حدة ظاهرة التغريب.

فبالتوازي مع استخدام خطاب يتبنى القطيعة مع الغرب، قام زعماء الجنوب باستيراد القانون ونموذج التنمية والديمقراطية التمثيلية الغربية الحديثة، حتى وإن كانوا يكيّفونها مع أنظمتهم. ويحدد بادي منطقين رئيسيين لهذا الاستيراد: منطق تفاعلي قائم على التبعية الاقتصادية والتكنولوجية والرمزية لدول “الراعي”، ومنطق آخر يدفع النخب غير الغربية إلى تبني النموذج الغربي بدافع الانبهار بفعاليته وعقلانيته المزعومة.

عواقب الدولة المستوردة

ويستعرض بادي عدة ظواهر نتجت عن هذا الاستيراد القسري. أولاً، القطيعة مع الموروث، إذ لم تنبع الدولة المستوردة من التطور الطبيعي للمجتمعات المحلية، بل جاءت ككيان غريب “فُرض من فوق”، مما أدى إلى صراع بين الهوية التقليدية والنظام السياسي الحديث. ثانياً، أزمة الشرعية، فبما أن هذه الدولة لا تشبه شعوبها في قيمها التاريخية، فإنها تعاني دائماً من ضعف الشرعية، مما يدفع الأنظمة الحاكمة للاعتماد على القمع أو الولاءات القبلية والعائلية للاستمرار.

ثالثاً، التغريب الشكلي، حيث تحولت الممارسات السياسية إلى “قشور” حداثية (دستور، برلمان، انتخابات) بينما الجوهر يظل محكوماً بالعلاقات التقليدية والزبونية. رابعاً، الانفصام السياسي، بوجود مجتمع يعيش بقيمه التقليدية مقابل دولة تحاول فرض قوانين مدنية غربية، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم. خامساً، فشل التنمية، إذ يربط المؤلف بين فشل المشاريع التنموية وبين طبيعة الدولة التي لا تفهم احتياجات مجتمعها الحقيقية.

المثقفون المستوردون والمفارقة المزدوجة

ويخصص بادي حيزاً مهماً لدور المثقف في عملية التغريب، حيث يرى أن هذا الدور مرتبط بمفارقة: فبالرغم من هويته التي تستند على انتمائه إلى ثقافة يعتبر مؤتمناً عليها، إلا أنه ينتصب كمستورد لنسق من الفكر والفعل قادم من مكان آخر.

ويشرح بادي هذا التناقض بأن المثقف، حالما يخلق حيزه الخاص، سرعان ما يجد نفسه في تعارض مزدوج مع السلطة الرسمية من ناحية، ومع أشكال الاحتجاج على هذه السلطة الصادرة من قطاعات المجتمع التقليدية من الناحية الأخرى. وهذا ما يفسر، بحسب المؤلف، معاناة المثقفين في هذه المناطق من التناقض.

الدولة المستوردة والعلاقات الدولية

ولا يقتصر تحليل بادي على المستوى الداخلي، بل يمتد إلى العلاقات الدولية. فالدولة المستوردة، بفعل أزمة شرعيتها الداخلية، تنعكس سلباً على النظام الدولي برمته.

ويصل بادي إلى أن فشل التغريب الذي ميز تطور العالم المعاصر منذ عام 1945 هو سبب الصدمات الاجتماعية المتعددة، وعامل الفوضى في العلاقات الدولية، وسبب فشل العالم في توحيد قواعد اللعبة.

ويحذر من أن “عالماً يعاني من عدم التجانس، وعاجزاً على توحيد قواعد اللعبة والاعتراف بالاختلافات، يشكل دون شك أكبر التهديدات التي تواجه الإنسانية”.

وعلى المستوى الدولي، تظهر ظاهرة مماثلة: شبكات دولية قائمة على روابط التجارة والدين والثقافة قادرة الآن على تجاوز العلاقات الرسمية بين الدول.

التقييم النقدي للأطروحة

وتتمتع أطروحة بادي بقوة تحليلية واضحة في رصدها للتناقضات البنيوية التي تعاني منها الدولة في العالم غير الغربي. غير أن بعض المراجعين يرون أن الكتاب “مهم لكنه صعب المنال”، وأن تحليلاته الدقيقة لهذا “الفشل الهائل” قد تترك انطباعاً بأن سلاسل سببية متعددة تدخلت في العملية.

كما يمكن القول إن بادي، في سعيه لتفسير فشل الاستيراد، قد يبالغ في تحديد العوامل الثقافية على حساب العوامل الاقتصادية والسياسية الأخرى.

ومع ذلك، تبقى أطروحته إسهاماً أساسياً في فهم إشكالية الدولة في العالم العربي والإسلامي، وقد تجاوزت حدود تخصصها الأكاديمي لتصبح مرجعاً في النقاش حول التحديث والهوية والعلاقات الدولية.

وخلاصة القول، يخلص بادي إلى أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق بمجرد “تقليد” الغرب، بل يجب أن تنبع الدولة من رحم الثقافة والتاريخ المحليين لتكون مقبولة وفعالة.

ويبقى سؤال “الدولة المستوردة”، بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور الكتاب، مطروحاً بإلحاح في سياقات عربية وإسلامية ما تزال تبحث عن نموذج دولتها الخاص.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :