سكة العقبة وبداية شبكة تُبنى بشراكة إماراتية
د. جعفر النسور
08-10-2026 11:15 AM
حضور جلالة الملك مراسم وضع حجر الأساس لسكة حديد العقبة–الشيدية–معان يحمل دلالتين اقتصاديتين بارزتين: الأولى تتعلق بالتزام الدولة بمشروع استراتيجي طويل الأجل، والثانية برسالة الثقة التي تعززها الشراكة الأردنية الإماراتية في بناء بنية تحتية قادرة على إحداث تحول في الاقتصاد الوطني.
فالمشروع ليس خطًا حديديًا منفردًا، بل يمثل المرحلة الأولى من شبكة السكك الحديدية الوطنية، وهي واحدة من حزمة مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي.
وحضور رأس الدولة بنفسه يؤكد المكانة الاستراتيجية التي يحتلها المشروع ضمن أولويات المملكة، ويعكس التزامًا وطنيًا بالمضي في تطوير شبكة النقل، بما يعزز ثقة الشركاء والمستثمرين باستمرارية التوجه نحو إنجاز المشاريع الكبرى.
أما الدلالة الثانية، فتتعلق بطبيعة الشراكة الأردنية الإماراتية التي يمثل المشروع محطة جديدة في مسارها.
فحضور جلالة الملك والشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، في مناسبة وضع حجر الأساس، يعكس أهمية المشروع ومكانته الاستراتيجية، ويؤكد أن التعاون بين عمّان وأبوظبي يتجه نحو مشاريع استراتيجية طويلة الأجل، تقوم على رؤية واضحة وثقة متبادلة، وتمنح هذه الشراكة أفقًا أوسع في المرحلة المقبلة.
وتنبع القيمة الاستثمارية للمشروع من قدرته على خفض التكاليف التشغيلية؛ إذ ستتيح السكة نقل الفوسفات بإنتاجية أعلى وكلفة أقل مقارنة بالوضع الحالي.
وهذا الوفر في سلسلة اللوجستيات، من المنجم إلى الميناء، يتحول إلى ميزة تنافسية تُوسّع حصة المنتج في السوق وترفع عائد الاستثمار.
ولا تقف طموحات هذا الشريان عند هذا الحد؛ إذ يتسع المخطط مستقبلًا ليشمل نقل البوتاس إلى جانب حركة الركاب، ليغدو مشروعًا لا ينقل هذه المواد فحسب، بل يُنعش حركة النقل ، ويعيد رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في جنوب المملكة.
فالعائد الحقيقي للاستثمار في السكك لا يظهر في خط واحد، بل حين تكتمل المسارات.
فالسكك الحديدية تقوم على اقتصادات الحجم؛ فكلما اتسعت الشبكة ارتفعت قيمة كل كيلومتر فيها، لأن البضائع والمصانع والموانئ تجد حولها منظومة تخدمها.
ويتوافر لهذا المشروع ما يحتاجه كل مستثمر: بيئة آمنة ومستقرة.
فالأردن يحافظ على أمنه واستقراره في إقليم مضطرب، وهو ما جعله وجهة موثوقة لرؤوس الأموال طويلة الأجل، وما يمنح مشاريع بهذا الحجم ضمانة الاستمرار والاكتمال.
والاستثمارات الإماراتية لها حضور يمكن لمسه في تفاصيل الاقتصاد الوطني، من الطاقة المتجددة إلى السياحة والعقارات والنقل والصناعة.
وهي استثمارات لا تكتفي بضخ رؤوس الأموال، بل تخلق آلاف فرص العمل، وتجلب الخبرة، وتفتح الأسواق، وتمنح الاقتصاد الأردني قدرة أكبر على المنافسة.
ومشاركة الإمارات في مشروع سكة حديد العقبة الوطني امتداد طبيعي لهذا الحضور، وتعبير عن رؤية تجعل من النقل واللوجستيات محركًا اقتصاديًا محوريًا.
حجر الأساس الذي وُضع في العقبة هو الحلقة الأولى فقط، وما بعده أكبر؛ فخلفه دعم ملكي حاضر، وأمن واستقرار راسخان، وشراكة تاريخية تتسع مع كل مشروع.
وأمام الأشقاء في الإمارات مجال رحب؛ فما وُقّع من مشاريع يجد في هذا المشروع سندًا، وما هو قادم يجد فيه بابًا.