ثروة الأردن الأهم: رأس المال البشري
د. حمد الكساسبة
21-10-2026 09:11 AM
ليست كل الثروات ما يُستخرج من باطن الأرض. فهناك دول تبني جزءاً كبيراً من قوتها الاقتصادية على النفط والغاز والمعادن، ودول أخرى يكون موردها الأهم ما تملكه من معرفة ومهارات وقدرة على إنتاج الخدمات. وبالنسبة للأردن، الذي لا يقوم اقتصاده على صادرات النفط والغاز رغم ما لديه من موارد مهمة كالفوسفات والبوتاس وبعض الثروات المعدنية، فإن الإنسان ليس مجرد عنصر في سوق العمل، بل أحد أهم الأصول الاقتصادية التي يمكن البناء عليها.
السؤال هنا ليس ما إذا كان رأس المال البشري مهماً للأردن؛ فهذا معروف منذ عقود. السؤال الأهم هو: إلى أي مدى استطاع الاقتصاد تحويل ما راكمه من تعليم وكفاءات إلى إنتاجية ودخل وقيمة مضافة؟ وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2026 إلى مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فالأردن يسجل أداءً أعلى من المتوسط الإقليمي في مؤشر رأس المال البشري الموسع، ويتقدم بصورة واضحة في مكون التعليم، لكن مكون التشغيل يبقى دون المتوسط الإقليمي. أي أن الفجوة الأساسية لا تقع فقط في بناء المهارة، بل في قدرتنا على استخدامها اقتصادياً.
وتظهر هذه الفجوة بصورة أوضح في سوق العمل. فالأردن يملك جامعات وخريجين ومهندسين وأطباء ومبرمجين وكفاءات مهنية، بينما بلغ معدل البطالة بين الأردنيين نحو 21 بالمئة في الربع الثاني من عام 2026. وهذه المفارقة لا تعني أن الاستثمار في التعليم لم يؤد دوره، بل إن الحلقة التي تربط التعليم بالعمل والإنتاج تحتاج إلى أن تصبح أكثر كفاءة. فبناء رأس المال البشري يبدأ في المدرسة والجامعة، لكنه لا يكتمل إلا عندما تصل المهارة إلى وظيفة منتجة أو مشروع أو سوق يستطيع أن يدفع مقابلها.
وهنا تكمن ميزة هذا المورد مقارنة بكثير من الموارد الطبيعية: قدرته على التجدد والتوسع. فالمهندس أو الطبيب أو المبرمج أو المحاسب يستطيع أن ينتج قيمة عاماً بعد عام، وينقل معرفته إلى غيره، ويطور خدمة أو يؤسس شركة أو يعمل لسوق خارجية من داخل الأردن. ويقدم قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثالاً واضحاً؛ إذ يعمل فيه أكثر من 45 ألف موظف ماهر، فيما يحمل نحو 30 بالمئة من الخريجين درجات في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وهذه ليست مجرد أرقام عن قطاع بعينه، بل مؤشر إلى إمكانية بناء صادرات قائمة على المعرفة والخدمة لا على السلعة وحدها.
وفي المقابل، يعمل جزء مهم من رأس المال البشري الأردني خارج المملكة. وقد بلغت حوالات العاملين الواردة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 نحو 2.97 مليار دولار، بزيادة 14.1 بالمئة عن الفترة نفسها من العام السابق. ولهذه الحوالات قيمة كبيرة للأسر وللاقتصاد، كما أن عمل الأردنيين في الخارج يراكم خبرة وعلاقات وشبكات مهنية مهمة. ومن هنا تبرز فرصة أمام الأردن لتطوير قنوات وآليات تتيح الاستفادة، بصورة طوعية ومنظمة، من هذه الخبرات والشبكات في التعريف بالفرص، وفتح أسواق جديدة، وتشجيع الاستثمار، ونقل المعرفة، وربط الشركات والمؤسسات الأردنية بشبكات إقليمية ودولية. فالمسألة لا تتعلق بتحميل الأردنيين العاملين في الخارج أدواراً إضافية، بقدر ما تتعلق بخلق إطار يتيح للاقتصاد الاستفادة من امتداده البشري خارج المملكة.
وبالتوازي مع ذلك، هناك فرصة أخرى لا تقل أهمية: أن تتوسع قدرة الأردنيين على خدمة الأسواق الخارجية وهم يعملون من داخل المملكة. فعندما يعمل الأردني في الخارج، يصل جزء من القيمة إلى الاقتصاد عبر الحوالات والخبرة، أما عندما يقدم خدمته من الأردن إلى سوق خارجية فإن دائرة الأثر المحلي تصبح أوسع، من خلال الدخل والإنفاق والخدمات المساندة وما قد ينشأ حول النشاط من فرص عمل وشركات جديدة. فالطبيب الذي يعالج مريضاً قادماً من الخارج يصدّر خدمة، والمبرمج الذي يعمل من عمّان لشركة عالمية يصدّر خدمة، وفريق المحاسبة الذي يدير عمليات إقليمية من الأردن يفعل الشيء نفسه. وهكذا يمكن لرأس المال البشري الأردني أن يحقق قيمة خارج الحدود، من دون أن يغادر صاحبه المملكة بالضرورة.
ولا يبدأ الأردن من نقطة الصفر في هذا الاتجاه؛ فهناك بالفعل مسارات قائمة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي لتطوير التعليم المهني والتقني، وتنمية المهارات الرقمية، وربط التدريب بالتشغيل. ولذلك فإن التحدي في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بإضافة برامج جديدة، بل برفع كفاءة الربط بين التعليم والمهارات وسوق العمل: قراءة الطلب على المهارات بصورة أسرع، وتوسيع التدريب داخل بيئة العمل، وتعزيز الانتقال من التعليم إلى الوظيفة، وقياس النجاح بما يتحقق من تشغيل وإنتاجية ودخل.
ومن هنا ربما يحتاج الأردن إلى التعامل مع رأس المال البشري بالجدية نفسها التي تتعامل بها الدول المنتجة للموارد مع احتياطياتها الطبيعية. فالدولة المنتجة للنفط تعرف حجم احتياطياتها، وكلفة استخراجها، والأسواق التي تستهدفها والبنية اللازمة لتصديرها. وفي المقابل، من المهم أن نعرف بدقة أكبر ما المهارات التي نملكها، وأيها سيزداد الطلب عليها خلال السنوات المقبلة، وأين توجد فجواتها، وما القطاعات القادرة على بيع هذه المهارات من داخل المملكة، وكيف يمكن بناء قنوات طوعية ومنظمة للاستفادة من خبرات الأردنيين العاملين في الخارج وشبكاتهم المهنية والمعرفية.
وهنا يصبح رقم البنك الدولي لافتاً؛ إذ يقدّر أن إغلاق الفجوات الحالية في الصحة والتعليم والتوظيف مقارنة بالدول الأعلى أداءً عند مستوى دخل مماثل يمكن أن يرفع الدخل المستقبلي المحتمل للأردن بنحو 51 بالمئة. وهذه النسبة لا تعني نمواً تلقائياً بهذا الحجم، لكنها تكشف مقدار القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تضيع عندما لا تتحول الصحة والتعليم والمهارات إلى مشاركة منتجة في سوق العمل.
لهذا قد لا تكون القضية الاقتصادية الأساسية للأردن فقط البحث عما يمكن استخراجه من باطن الأرض، رغم أهمية التعدين والطاقة والموارد الطبيعية، بل أيضاً رفع العائد مما نملكه بالفعل فوقها. فالثروة البشرية لا تُقاس بعدد الخريجين وحده، وإنما بقدرتهم على الإنتاج والتعلم المستمر والوصول إلى الأسواق وخلق قيمة جديدة. وربما يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة ليس: ما الموارد التي تنقص الأردن؟ بل: كيف نحصل على كامل القيمة الاقتصادية من أحد أهم الموارد التي نملكها بالفعل: الإنسان؟