الصبر الإيراني .. إلى متى ينتظر العرب على الطريق؟
عميد متقاعد عارف الزبن
21-10-2026 08:54 AM
قال الرئيس الأمريكي هاري ترومان " لا جديد في هذا العالم إلا ما تجهله من التاريخ “. بالرغم ان البعض في واشنطن يستنكر ارتباط التاريخ بالحاضر. ومع تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وما رافقها اليوم من تحذيرات أمنية أمريكية لرعاياها في الشرق الأوسط. يعود إلى الواجهة سؤال استراتيجي قديم يتجدد مع كل أزمة، من يمتلك القدرة على الصبر وإدارة الزمن، ومن يجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ قرارات تحت وطأة الاستعجال، في وجه ضغط الانتخابات والأحداث المتسارعة؟
فالحوثيون يضغطون ويقصفون والايرانيون يراقبون بصبر، والأمريكان والإسرائيليون يحاولون اقناع الناخب الأمريكي والإسرائيلي، اننا لا نزال في حرب مع ايران، وان تصاعد العمليات الحوثية وانعكاساتها على أمن المنطقة هي بإدارة وقيادة ايرانية، فالحل الأمثل هو الهروب للأمام قبل ان تأكل وتحصد الانتخابات كلا الرئيسين ترامب ونتنياهو، من خلال تصعيد هذه التطورات على الحسابات السياسية الداخلية لبلديهما، وانعكاساتها على الاستحقاقات انتخابات الكونغرس الأمريكية والكنيست الإسرائيلية القادمة.
من وجهة نظري، فإن الصبر الإيراني ليس مجرد صفة ثقافية أو حادثة تاريخية، وإنما هو جزء من السياسية الإيرانية، وهي أداة ضغط استراتيجية لإدارة الأزمات واستنزاف الخصوم وتوظيف عامل الزمن في التفاوض. وهنا أستعيد حكاية قرأتها منذ سنوات لكاتب لا أذكر اسمه، وأوردها باعتبارها تشبيهًا أدبيًا لفلسفة الصبر في إدارة الصراع. وكيف يمكن للزمن أن يتحول من مجرد انتظار إلى أداة من أدوات القوة والضغط الاستراتيجي.
تقول الحكاية: إن إنجليزيًا من مُخلفات الإمبراطورية البريطانية، وإيرانيًا من مُخلفات الإمبراطورية الفارسية، التقيا بسيارتيهما على طريق ريفي إنجليزي ضيق لا يتسع إلا لسيارة واحدة، توقف الاثنان وجهًا لوجه، وأصر الإنجليزي على ألا يتراجع أو يفسح الطريق للآخر. وبشيء طبعا من الغطرسة الإمبراطورية، أخرج الإنجليزي صحيفته وبدأ يقرأ، ظنًا منه أن إظهار اللامبالاة سيحسم الموقف لصالحه، وأن الإيراني سيفقد صبره ويتراجع، لكن الإيراني لم يغضب، ولم يدخل في مشادة كلامية، ولم يحاول فرض إرادته بالقوة.
وبعد دقائق، نزل الإيراني من سيارته واقترب من نافذة سيارة الإنجليزي، وقال له بكل هدوء: " عندما تنتهي من قراءة الصحيفة، أرجو أن تعيرني إياها لأقرأها" قد تبدو الحكاية ساخرة، لكنها تحمل في نظري دلالة استراتيجية عميقة؛ فقد أراد الإيراني أن يبلغ خصمه رسالة لم يحتج الى رفع صوته لإيصالها: "إن كنت مستعدًا للانتظار، فأنا مستعد لانتظار أطول منك وإذا كنت تراهن على نفاد صبري، فإنني أراهن على نفاد صبرك أولاً". وهنا تكمن فلسفة الصبر في إدارة الصراع؛ فليس المنتصر دائمًا من يبادر بالحركة أو يمتلك القوة الأكبر، وإنما قد يكون من يستطيع تحمل الضغوط وإدارة الوقت، ويدفع خصمه إلى اتخاذ القرار تحت وطأة الاستعجال.
وفي السياسة والعلاقات الدولية، لا يصبح الصبر مصدرًا للقوة لمجرد القدرة على الانتظار، بل عندما يستند إلى مؤسسات وخطط بعيدة المدى، وموارد اقتصادية وعسكرية، وشبكات من العلاقات والتحالفات القادرة على امتصاص الضغوط والاستمرار في المواجهة، هنا يصبح الزمن سلاحًا، والصبر استراتيجية، والانتظار فعلًا سياسيًا لا يقل تأثيرًا عن المواجهة المباشرة. ولعل هذا ما يدفعني إلى التساؤل، وأنا أراقب التصعيد الراهن بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى: هل تراهن طهران على قدرتها على الصبر، بينما يواجه خصومها ضغوط الاستحقاقات الانتخابية والحاجة إلى تحقيق نتائج سياسية وعسكرية خلال فترات زمنية أقصر؟ إنها ليست بالضرورة معركة بين من يمتلك القوة ومن يفتقر إليها، بل قد تكون أيضًا معركة بين من يستطيع التحكم بإيقاع الزمن، ومن يجد نفسه مضطرًا إلى التحرك وفق توقيت تفرضه عليه ظروفه السياسية الداخلية المعقدة.
فالصراع الأمريكي الإيراني له جذور معقدة، تعود إلى عام 1953، عندما أُطيح بحكومة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في عهد الشاه محمد رضا بهلوي. فلقد كان مصدق قد قاد مشروعًا وطنيا لتأميم النفط الإيراني، ودخل في مواجهة سياسية واقتصادية مع بريطانيا العظمى، التي سيطرت على موارد النفط، كما وصفها رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرتشل في العشرينات من القرن الماضي " غنيمة من ارض الاحلام تفوق كل ما حلمنا به ". فلقد شارك الرئيس الأمريكي داويت أيزنهاور وتشرتشل في توظيف وكالة الاستخبارات الامريكية CIA والمخابرات والبريطانية MI6 في اول عملية اجهاض وانقلاب على اول ديمقراطية في ايران أطاحت بحكومة مصدق، والتي عُرفت باسمها الرمزي "عملية أياكس"(Operation Ajax)، التي تناول تفاصيلها كتاب يعد من اشهر الكتب باسم " رجال الشاه "All the Shah’s Men للكاتب الأمريكي ستيفن كينزر. (Stephen Kinzer).
ما اوقفني في قرأه هذا الكتاب، كيف ان أحد اكبر عملاء المخابرات البريطانية Woodhouse كرسيتوفر وودهاوس استطاع بالذكاء والدهاء البريطاني، جرّ أمريكا الى هذا الصراع بالحجة البريطانية القديمة، وهي "ان مصدق يجب ان يرحل لأنه أمم الممتلكات البريطانية"، ويقصد بذلك بعد ان قام مصدق بطرد شركة النفط الأنجلو إيرانية التي أصبحت لاحقا BP British Petroleum ومنعها من التنقيب عن النفط في ايران، لم تنطلِ تلك الحجة على الأمريكان اولا، عندها لجأ وودهاوس الى حيلة أخرى، مثل حجة نتنياهو ان ايران تملك أسلحة نووية. فلقد كانت الشيوعية آنذاك بالنسبة للأمريكان اخطر من السلاح النووي، فأعاد وودهاوس الكره مره أخرى بحسب اعترافه " لم اكن أرغب في ان أُتهم بمحاولة استغلال الامريكان لمصلحة البريطانيين، لذا فقد قررت ان أُكد على الخطر الشيوعي (حزب تودا) الذي ستنظم اليه ايران بدلا من حاجتنا الى استعادة السيطرة على النفط " مما حفز الامريكان بعد تولي أيزنهاور الحكم في 20 كانون الثاني 1953 ان يوافق على عملية الانقلاب.
نعم لقد تركت تلك الواقعة أثرًا عميقًا في الذاكرة السياسية الإيرانية، وأصبحت لاحقًا جزءًا من الخطاب الذي يستند إليه النظام الإيراني في تفسير عدائه للتدخلات الغربية. الامر الذي انعكس أيضا على التدخل في شؤون الدول الأخرى أو دعم الجماعات المسلحة خارج الحدود. فالتاريخ يساعدنا على فهم دوافع الدول. لقد كانت إيران خلال الحرب العالمية الثانية، أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة إلى الحلفاء، بعدما أصبحت ممرًا رئيسيًا لنقل الإمدادات إلى الاتحاد السوفيتي عبر ما عُرف بالممر الفارسي. وقد ارتبطت إيران في أدبيات تلك المرحلة بتعبير تشرتشل "جسر النصر". تعبيرًا عن أهميتها في دعم المجهود الحربي للحلفاء. أما اليوم، فإنني أنظر إلى موقع إيران الجغرافي من زاوية أخرى. فإيران تقع بين فضاءات جغرافية وسياسية واسعة، تمتد من أفغانستان وباكستان شرقًا، إلى العراق والجزيرة العربية والخليج غربًا وجنوبًا، وتجاور دولًا ومجتمعات ذات أغلبية سُنية، بينما يقوم نظامها السياسي على مرجعية شيعية اثني عشرية امام "جسر سُني".
وعندما نعود في التاريخ الحديث كيف يتم توظيف الزمن في الصراع السياسي، أجد نفسي أمام أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران، التي بدأت في الرابع من تشرين الثاني عام 1979، حين اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا دبلوماسيين وموظفين أمريكيين، في أعقاب الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه، عندها استمرت الأزمة او عملية الاحتجاز للرهائن 444 يومًا والتي سجلت على انها أطول عملية احتجاز رهائن في التاريخ، وانتهت في 20 كانون الثاني عام 1981، يوم تنصيب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان. خلال تلك الفترة، واجه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أزمة سياسية وأمنية واقتصادية وعسكرية معقدة، انعكست على صورته أمام الرأي العام الأمريكي، مما اسفر عن خسارته الكاسحة للانتخابات، واليوم يعيد ترامب ونتنياهو نفس المشهد او كإنهما تعلما درسا من جيمي كارتر.
حاول جيمي كارتر ان يستدرك الموقف قبل الانتخابات، كما يحاول ترامب ونتنياهو حاليا في هذا التصعيد، حين اقدم في شهر نيسان عام 1980، على محاولة تحرير الرهائن عسكريًا باستخدام القوة، والتي عرفت بالتاريخ العسكري بعملية "مخلب النسر (Operation Eagle Claw)، حيث شارك في التحضير والتخطيط للعملية وتنفيذها نخبة وحدات القوات الخاصة الامريكية، ومن بينها عناصر من قوة دلتا. لكن العملية انتهت بالفشل، وأسفرت عن مقتل ثمانية عسكريين أمريكيين، وتحولت إلى ضربة سياسية ومعنوية لإدارة كارتر. الامر الذي انعكس لاحقا في اتجاه سير الانتخابات الرئاسية، وخسر كارتر أمام رونالد ريغان، ونتج عن هذه العملية ضغوط سياسية ومشكلات اقتصادية وفقدان الثقة بقدرة إدارة كارتر على معالجة الأزمة، حينها أصبح الزمن والصبر الإيراني نفسه جزءًا من الصراع، وأداة ضغط على الادارة الأمريكية.
ولعل من أكثر الوقائع إثارة للتساؤلات في العلاقات الأمريكية -الإيرانية – الإسرائيلية، فضيحة إيران–كونترا، حين يتفاوض الخصوم خلف الأبواب المغلقة بالخفاء، فيما عُرف إعلاميًا باسم "إيران غيت". فخلال الولاية الثانية للرئيس رونالد ريغان، وتحديدًا بين عامي 1985 و1986، جرت ترتيبات سرية لبيع أسلحة أمريكية إلى إيران، عبر وسطاء إسرائيليين ونقل جوي من اسرائيل، على الرغم من العداء السياسي المعلن بين واشنطن وطهران، عندما كانت إيران آنذاك تخوض حربًا طويلة مع العراق، وتحتاج إلى قطع غيار ومعدات عسكرية، للأسلحة الامريكية التي كانت قد استحوذت عليها ابان حكم الشاه، ومن بينها صواريخ "تاو" (TOW) المضادة للدبابات ومنظومة "هوك" (HAWK) للدفاع الجوي للتصدي للدبابات والسمتيات العراقية. وفي المقابل، شكّلت هذه الفضيحة أزمة سياسية ودستورية خطيرة هزّت مصداقية إدارة ريغان، بعد ان كشفت ان هذه الاتصالات كانت بمساعٍ أمريكية للإفراج عن خمسة رهائن كانوا محتجزين في لبنان لدى جماعات مسلحة، كما ارتبطت تلك الفضيحة بتحويل جزء من عائدات مبيعات الأسلحة لدعم قوات الكونترا في نيكاراغوا.
حينها كشفت هذه الفضيحة عن مفارقة سياسية لافتة: دول تعلن العداء الشديد بعضها لبعض، بينما تسمح حسابات المصالح بإقامة اتصالات وصفقات سرية بينها. وهنا يبرز سؤال لا يزال صالحًا حتى يومنا: إلى أي مدى يمكن الوثوق بأن العداء المعلن بين الدول يمنع وجود تفاهمات أو تقاطعات مصالح غير معلنة؟ إن التاريخ يثبت أن العداء لا يمنع التفاوض، وانه لابد من وجود اتفاق سري وراء كل مواجهة أو أزمة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران، عاد عامل الزمن ليظهر مجددًا في أزمة رهائن أخرى، ولكن هذه المرة على الأراضي العراقية، وفي ظروف إقليمية أكثر تعقيدًا وتشابكًا. ففي السادس عشر من كانون الأول عام 2015، اختطفت مجموعة مسلحة عددًا من الصيادين القطريين، بينهم أفراد من الأسرة الحاكمة (آل ثاني)، أثناء رحلة صيد بالصقور في محافظة المثنى جنوبي العراق، بالقرب من الحدود السعودية. واستمر احتجازهم نحو ستة عشر شهرًا، قبل الإفراج عنهم في الحادي والعشرين من نيسان عام 2017.
لم تكن هذه الحادثة مجرد عملية اختطاف تقليدية بهدف الحصول على فدية مالية، بل تحولت، وفق ما كشفته تقارير صحفية وتحقيقات لاحقة، إلى ملف تفاوضي إقليمي معقد، تداخلت فيه مصالح دول وأجهزة أمنية وجماعات مسلحة، وامتدت خيوطه من العراق إلى إيران ولبنان وسوريا، وقد وُجهت أصابع الاتهام إلى كتائب حزب الله العراقية، وهي من أبرز الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، رغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها رسميًا عن عملية الاختطاف. كما أشارت تقارير وتحقيقات صحفية إلى دور إيراني في المفاوضات، وإلى اتصالات شملت شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، من بينها قائد فيلق القدس آنذاك، قاسم سليماني.
واللافت أن الإفراج عن الرهائن تزامن مع ترتيبات إقليمية شملت عمليات إجلاء وتبادل في سوريا، ولا سيما اتفاق البلدات الأربع: الفوعة وكفريا ومضايا والزبداني، وهو ما يعكس كيف يمكن أن تتحول قضية احتجاز رهائن إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود الدولة التي وقعت فيها الحادثة، وتصبح جزءًا من مساومات سياسية وأمنية أوسع.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال استراتيجي: هل كانت الأشهر الستة عشر مجرد فترة انتظار لإنهاء أزمة إنسانية، أم أن إطالة أمد الأزمة أتاحت للأطراف المتدخلة توظيف قضية الرهائن ضمن مفاوضات إقليمية أكبر؟ وهكذا، فإن الدرس الاستراتيجي ليس أن من ينتظر أطول ينتصر بالضرورة، وإنما أن من يمتلك القدرة على توظيف الزمن ضمن أهداف سياسية واضحة قد يستطيع تحويل الانتظار إلى ورقة تفاوض وضغط على الآخرين.
والسؤال الذي يطرح نفسه ايضا: هل أصبحت إيران، في بعض الحسابات الدولية والإقليمية، عاملًا دائمًا لإعادة تشكيل التوازنات بين القوى العربية والإسلامية؟ وهل يؤدي استمرار التوتر معها إلى استنزاف الموارد العربية، وإضعاف فرص التكامل الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة؟ لذا فأنني لا أستبعد أن تتقاطع مصالح أطراف متخاصمة في استمرار بعض الأزمات.
فإذا كانت فضيحة إيران–كونترا قد أثبتت أن الخصوم يستطيعون التعاون سرًا، فإننا قد نعيش اليوم "إيران–كونترا ثانية". إن المشكلة، في تقديري، ليست في وجود إيران بوصفها دولة، ولا في الشعب الإيراني أو انتمائه المذهبي، وإنما في السياسات التي تستخدم الصراعات والميليشيات والانقسامات الداخلية وسائل لفرض النفوذ خارج الحدود. وبالمقابل، فإن تحويل الخلاف السياسي مع إيران إلى صراع سني شيعي، مفتوح لن يخدم استقرار المنطقة، بل قد يمنح القوى المختلفة فرصًا إضافية لاستثمار الانقسامات التي تعود جذورها إلى قرون طويلة.
إن ما يستوقفني في المشهد الراهن ليس التصعيد العسكري الحالي وحده، وإنما توقيته السياسي. ففي السابع والعشرين من تشرين الأول 2026، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الكنيست، وبعد سبعة أيام فقط، في الثالث من تشرين الثاني، يخوض الأمريكيون انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. فالولايات المتحدة تتأثر قراراتها الخارجية بمؤسساتها الدستورية والانتخابات والكونغرس والرأي العام، بينما تخضع الحكومات الإسرائيلية أيضًا لضغوط سياسية وأمنية وانتخابية داخلية. أما النظام الإيراني، فسيبقى يتحلى بالصبر وينتظر.
وفي الختام، أعود إلى الحكاية التي بدأت بها؛ الإنجليزي الذي ظن أن قراءة الصحيفة ستجبر الإيراني على التراجع، والإيراني الذي طلب استعارتها عندما ينتهي من قراءتها، وكأن كليهما كان يخوض معركة صامتة، لا بالسلاح ولا بالقوة، وإنما بالصبر والإرادة والقدرة على التحكم بالزمن. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس: أيهما أكثر صبرًا، الإنجليزي أم الإيراني؟ بل السؤال الأهم: إلى متى سيبقى العرب واقفين على ذلك الطريق الضيق، ينتظرون أن ينتهي الآخرون من قراءة صحفهم، بينما تُرسم خرائط المصالح والتوازنات ومستقبل المنطقة من حولهم؟ والأخطر من طول الانتظار ان يكتشفوا ان الطريق الذي كانوا ينتظرون المرور فيه قد تغيرت معالمه، وأن المستقبل الذي كانوا يتطلعون اليه قد رسمه غيرهم، دون ان يكون لهم دور في تحديد اتجاهه.
إن الدولة التي لا تمتلك رؤية استراتيجية مستقلة لإدارة الزمن والصراع، ولا تملك القدرة على تحديد أولوياتها وتوقيت قراراتها، قد تجد نفسها جزءًا من استراتيجية الآخرين، وتدفع من أمنها واقتصادها واستقرارها ثمن قرارات لم تشارك في صناعتها، وصراعات لم تكن صاحبة القرار في إشعالها أو إنهائها.
كما ان الدول التي تفكر بعقل استراتيجي لا تكتفي بإدارة أزمة اليوم التالي، ولا تقيس نجاحها بقدرتها على تجاوز التحديات الآنية فحسب، بل تخطط لموقعها بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، وتبني من عناصر قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية أدوات لحماية مصالحها، بدلًا من أن تظل أسيرة ردود الأفعال وانتظار ما يقرره الآخرون.