facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المجالس البرلمانية الطلابية .. من ديمقراطية الصندوق إلى ديمقراطية الممارسة


فيصل تايه
22-10-2026 08:42 AM

تُجرى اليوم الخميس انتخابات المجالس البرلمانية الطلابية ، بمشاركة الطلبة من الصف الخامس حتى الصف الثاني عشر، في استحقاق تربوي يتجاوز اختيار ممثلين عن الشُّعب الصفية إلى ترسيخ الديمقراطية ممارسةً، والمواطنة سلوكاً، والمسؤولية ثقافةً تتشكل في المدرسة قبل أن تمتد إلى المجتمع. فالقيمة الحقيقية لهذه الانتخابات لا تتوقف عند الاقتراع وإعلان النتائج، بل تتجلى فيما تتيحه للطلبة من فرص للتعبير عن آرائهم والإسهام في تحسين بيئتهم التعليمية.

وفي هذا السياق، جاءت رسالة وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، الدكتور عزمي محافظة، لتؤكد أن الطالب محور العملية التعليمية وغايتها، وأن المجالس البرلمانية مساحة لبناء الشخصية وتنمية القيادة والمبادرة والمسؤولية. وترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس تتطلب أن تتجاوز الانتخابات اختيار الممثلين إلى تجربة يتعلم فيها الطلبة الحوار، واحترام الرأي الآخر، والمشاركة في معالجة القضايا المدرسية.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نكتفي بانتخابات تُجرى وتُعلن نتائجها، أم نجعلها مدخلًا إلى تجربة يتعلم فيها الطالب كيف يشارك في صنع القرار، ويعبّر عن احتياجاته بمسؤولية، ويسهم في مناقشة القضايا التي تمس حياته المدرسية؟ فالفارق بين الأمرين هو الفارق بين ممارسة تقتصر على إجراءاتها، وأخرى تتيح للطلبة اختبار قيمها في حياتهم اليومية.

ولا يتحقق هذا التحول بمجرد فوز الطلبة بعضوية المجالس، بل يتطلب تأهيلهم وتمكينهم من أداء أدوارهم ، فمن واقع تجربتي في الإدارة المدرسية، خلال عملي مديراً لعدد من المدارس الكبرى في عمّان، أدرك أهمية إعداد أعضاء المجالس للمشاركة في وضع الخطط المرتبطة باحتياجات الطلبة، ومناقشة الأولويات، وتطوير المبادرات، وإبداء الرأي في القضايا والقرارات التي تمس حياتهم المدرسية، ضمن الأدوار والصلاحيات المقررة لهم. فبهذه الممارسة يصبح التمثيل مسؤولية عملية، لا مجرد لقب، وتتحول عضوية المجلس إلى فرصة للتعلم والإسهام في تطوير البيئة التعليمية.

وتستند هذه الأدوار إلى إطار تنظيمي يحدد مهام المجالس ومسؤولياتها؛ فقد أوضحت تعليمات المجالس البرلمانية الطلابية رقم (8) لسنة 2020 أن مهامها تشمل متابعة احتياجات الطلبة ومقترحاتهم، والمساهمة في تطوير العملية التربوية، ودراسة قضايا المدرسة والمجتمع المحلي، واقتراح الحلول وتنفيذ المبادرات. كما تنظم التعليمات اجتماعات المجالس وخطط عملها وآليات متابعة أنشطتها. وهذا يجعل تفعيل التعليمات وتطبيقها بصورة منتظمة ضرورة لضمان انتقال مهام المجالس من النصوص إلى الممارسة.

ومن هنا تبرز مسؤولية وزارة التربية والتعليم ومديرياتها في متابعة أداء المجالس، وتوفير التدريب والتوجيه لأعضائها، وتقييم أثر أنشطتها، بحيث تصبح الخطط والتقارير أدوات لتطوير العمل، لا مجرد متطلبات إدارية.

كما ينبغي تعزيز الشفافية والمساءلة من خلال إتاحة المجال لأعضاء المجالس لعرض ما أنجزوه أمام زملائهم، وتوضيح ما تعثر من برامجهم وأسباب ذلك؛ فالمشاركة المسؤولة تتطلب متابعة العمل وتقييم نتائجه.

وعلى مستوى المدرسة، تقع على الإدارات والمعلمين والمرشدين التربويين مسؤولية الاستماع إلى مقترحات الطلبة ومناقشتها بجدية. فالمشاركة لا تعني الموافقة على كل مقترح، بل توضيح ما يمكن تنفيذه وما يتعذر تنفيذه وأسبابه، بما يشعر الطالب بأن صوته مسموع وأن رأيه محل اهتمام. وهكذا يتعلم أن المشاركة ليست مجرد حق في التعبير، بل مساهمة تقوم على الحوار وفهم الإمكانات وتحمل المسؤولية.

ولا تكتمل هذه التجربة من دون ترسيخ أخلاقيات المنافسة وقبول الاختلاف؛ فالفائز لا يحتكر تمثيل زملائه، والخاسر لا يفقد حقه في المبادرة. كما ينبغي أن يقوم الاختيار على البرامج والكفاءة، بعيدًا عن التعصب والانحيازات الضيقة. فالمدرسة التي تعزز احترام النتائج والعمل بروح الفريق تهيئ طلبتها لممارسة المواطنة على أساس الحوار والإنصاف، وتجعل الاختلاف مدخلًا للتعاون لا سبباً للخصومة.

ويمتد أثر المجالس البرلمانية الطلابية إلى ما هو أبعد من المدرسة؛ فهي إحدى البيئات المبكرة التي يتشكل فيها وعي المواطن بحقوقه وواجباته، وقدرته على التعبير عن رأيه ومناقشة القرارات واقتراح البدائل. ويتصل ذلك بأهداف التحديث السياسي والوطني، التي تتطلب مواطناً فاعلاً يمتلك الاستعداد للمشاركة في الشأن العام وتحمل مسؤولياته. فالمشاركة الواعية لا تتكون فجأة، بل تنمو بالتجربة والتدرب عليها منذ سنوات الدراسة.

إن صندوق الاقتراع هو بداية الديمقراطية المدرسية، وليس شهادة اكتمالها. ويبدأ الامتحان الحقيقي بعد إعلان النتائج، حين يعمل المجلس بمسؤولية، وتستمع المدرسة بجدية، وتتابع المؤسسة التربوية أداء المجالس وتطوره. عندها تتحول الانتخابات إلى تجربة يتعلم فيها الطلبة معنى المشاركة وأثرها، وتنتقل المجالس من ديمقراطية الصندوق إلى ديمقراطية الممارسة، بما يسهم في إعداد جيل قادر على المشاركة الواعية في بناء وطنه وخدمته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :