facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




" الفزعة التي يحتاجها الوطن من ابنائه "


فراس المجالي
06-11-2026 06:28 PM

​رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة الذي قضى نحبه وهو يحرس أمن الناس وطمأنينتهم، وحمى الله النشمي الملازم فراس العنانزة الذي تصدى بجسارة ويقظة لمعتدٍ إرهابي غادر في قلب عمّان.

​لقد أيقظت هذه الحادثة المؤلمة في نفوسنا جميعاً حقيقة قد نغفل عنها في زحمة اعتيادنا اليومي على نعمة الأمان؛ وهي أن وراء هذا الاطمئنان رجالاً يقفون على خطوط النار، ويدفعون من أرواحهم ودمائهم ثمن استقرارنا.

​غير أن المشهد، على قسوته، ترك في النفس غصة وسؤالاً صريحاً دار في مجالس الأردنيين منذ اللحظة الأولى: أين كانت تلك الفزعة المعهودة لدى بعض الذين صادف وجودهم في مكان الاعتداء؟ ولماذا بدا المشهد وكأنه يفتقد تلك الهبّة العفوية التي نعتز بها ونعدّها من أكثر طباعنا خصوصية وأقدم تقاليدنا؟

​ربما يكون هذا التساؤل مشروعاً ومفهوماً في لحظة الانفعال الأولى، لكن الإنصاف يقتضي ألا نتعجل إصدار الأحكام الأخلاقية القاسية على أناس باغتتهم الجريمة في ثوانٍ مشحونة بالصدمة. فالخوف جبلة بشرية، والناس يتفاوتون في قدرتهم على استيعاب الخطر المفاجئ، بل إن الامتناع عن الاشتباك الجسدي غير المحسوب مع مهاجم مسلح قد يكون أقرب إلى الحكمة منه إلى التخاذل، لا سيما حين يباشر رجال الأمن التعامل معه.

​وليس من العدل أن نطالب مواطناً أعزل لم يُدرَّب على مواجهة العنف بأن يتصرف كرجل أمن، أو أن يندفع بعاطفته فيربك المشهد ويضاعف عدد الضحايا.

​لكنْ، إذا كنا نلتمسُ العذر لمن تجمّد في مكانه لهول المفاجأة، فما الذي ينبغي أن تعنيه الفزعة اليوم في مجتمع يعتز بإرث النخوة، ويعيش في الوقت ذاته تحت مظلة دولة تقوم على المؤسسات والقانون؟

​لقد نشأت الفزعة في قرانا وبوادينا استجابةً فطرية لنجدة المستغيث، مستندةً إلى روابط الدم والجوار والمعرفة الشخصية، غير أن اتساع المدن وتطور الدولة وتغير طبيعة الأخطار، كلها عوامل تفرض علينا أن نرتقي بمفهوم النخوة ذاته، فننتقل به من فزعة القرابة والعشيرة إلى فزعة المواطنة والمسؤولية المدنية الشاملة.

​وفي هذا الأفق الأرحب لهذه الفزعة، ينجد الإنسان مواطناً لا يعرفه، ويحمي حقاً عاماً لا تعود إليه منه منفعة شخصية مباشرة، ويساند رجل الأمن بالوعي والمعلومة الدقيقة، والإبلاغ الفوري، وتنبيه الآخرين عن بُعد، وإفساح المجال للمختصين دون أن ينازعهم دورهم.

​بيد أن الفزعة التي ننشدها لا تبدأ حين يشهر المعتدي سلاحه في الشارع، بل قبل ذلك بكثير، لأن القاتل لا يولد حاملاً سلاحه فجأة، وإنما يتشكل في بيئات تتسلل إليها سموم التكفير والكراهية، وتجد في صمت المحيطين أو تساهلهم ملاذاً تنمو فيه.

​وهنا تحديداً يبدأ الامتحان الوطني الحقيقي، فالتصدي للتطرف ليس واجب الأجهزة الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى مناعة مجتمعية يتكامل فيها البيت والمدرسة مع يقظة المنبر والإعلام.
​إن المجتمع الحيّ والواثق بقيَمهِ يدرك الفارق الشاسع بين حرية الرأي والاختلاف الفكري التي يصونها الدستور، وبين جريمة التحريض على العنف واستباحة الدماء وتكفير رجال الأمن.

​فحين نرفض الصمت عمن يبث هذا التحريض في مجلس خاص أو عبر فضاء رقمي، وحين ننزع الغطاء الأخلاقي والاجتماعي عن كل دعوة للكراهية، فنحن نمارس أرقى صور الفزعة الوطنية، ونحمي ظهر المواطن أو الشرطي قبل أن يواجه الخطر وحيداً.

​ولا تقف هذه الشجاعة الأدبية عند حدود مواجهة التطرف، بل تمتد في جوهرها إلى حماية المال العام ومقدرات الدولة من كل عبث أو فساد. صحيح أن المواطن ليس محققاً ولا قاضياً، وأن إثبات الجرم وظيفة المؤسسات المختصة، لكن السكوت الواعي أو التستر على الفاسد والمعتدي يجرّد الفعل من قبحه ويمنحه بيئة حاضنة للتمدد.

وبقدر ما يقع على المواطن واجب المبادرة والمساءلة عبر القنوات المشروعة، يقع على مؤسسات الدولة واجب مقابل في ترسيخ العدالة، وحماية المبلغين، وتعزيز الثقة العامة، حتى لا تتحول المواطنة بمرور الوقت إلى مجرد مطالبة دائمة بالحقوق والخدمات، دون مشاركة فاعلة في صيانة القانون الذي يحميها.

​لقد أدى الشهيد جواد السلايطة أمانته ومضى إلى ربه، وأثبت زميله فراس العنانزة شجاعة تبعث على الفخر والاعتزاز، وبقي علينا نحن أن نستوعب الدرس الكامل لما جرى...

​فأقدر الأجهزة الأمنية في العالم تظل بحاجة إلى ظهير شعبي مسلّح بالوعي، والفزعة التي يستحقها الأردن من أبنائه هي تلك اليقظة اليومية التي تحرس القيم والقانون في كل وقت، ولا تنتظر حتى تقع واقعة وتُزهق روح غالية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :