facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإرهاب أداة لاستهداف الدولة ومجتمعها


م. فراس الصمادي
07-11-2026 09:20 AM

رحم الله شهيد الوطن العريف جواد علي خلف السلايطة، الذي استشهد اليوم أثناء تأدية واجبه في حراسة سفارة سريلانكا في عمّان، وخالص العزاء لأسرته وذويه وزملائه في الأمن العام، مع الدعاء بالشفاء العاجل للضابط الشجاع فراس العنانزة المصاب و الذي تصدّى للمعتدي والقى القبض عليه .

وتأتي هذه الجريمة بعد مجزرة حمود لتعيد طرح قضية استهداف الدولة الأردنية ومجتمعها، وما يمكن أن يؤديه تجدد الاعتداءات من استنزاف للأمن الداخلي والسلم الأهلي. فالإرهاب أداة لهذا الاستهداف، سواء وقع على مواطنين أثناء جنازة في كنيسة أو على رجل أمن أثناء حراسته، لأن أثر الجريمة يمتد إلى علاقة الأردنيين ببعضهم وثقتهم بمؤسساتهم، ويضع الدولة أمام أعباء تتجاوز ملاحقة المنفذين إلى مواجهة البيئة التي تُنتج العنف والجهات التي يمكن أن تستثمره.

وتكشف الأحكام السابقة بحق المتهم الرئيسي في مجزرة حمود ومنفذ اعتداء اليوم، والمتصلة بداعش والتخطيط لأعمال إرهابية، عن ضرورة مراجعة ما يبقى من القناعة التكفيرية بعد انقضاء العقوبة، والشبكات التي تغذيها، ومدى فاعلية متابعة المحكومين وتأهيلهم بعد الإفراج عنهم. فالعقوبة تنتهي وفق أحكام القانون، وتبقى مسؤولية معالجة القناعة التي تبرر العنف والظروف التي تسمح بتجددها قائمة، خصوصًا عندما يعود أشخاص سبق أن أُدينوا في قضايا إرهاب إلى استهداف المجتمع ومؤسسات الدولة.

مراجعة هذه القناعة تقود بالضرورة إلى البيئة الفكرية والاجتماعية التي تُبقيها حاضرة، وإلى دور التنظيمات التي مارست السياسة تحت غطاء ديني وأسهمت في تشكيل هذه البيئة وإدامتها، من خلال تعبئة جمهورها بتصورات عن جاهلية المجتمع، وتوظيف "الحاكمية" لنزع شرعية الدولة وقوانينها، والاستعلاء على الناس باسم الإيمان، وتقديم الولاء للتنظيم على المواطنة. ويبرز التنظيم الإخواني المنحل في صلب هذه المراجعة بحكم مرجعياته الفكرية، وما تتضمنه من تصورات تستحق مناقشة مناطق تقاطعها مع فكر داعش، رغم الخصومة التنظيمية بين الطرفين، فضلًا عن دوره الطويل في نشر هذه المرجعيات وتربية أتباعه عليها، وما اكتسبه عبر ذلك من نفوذ في تشكيل الوعي الجمعي.

وقد أتاح هذا النفوذ للتنظيم أن يرسّخ مكانته السياسية والاجتماعية، وأن يربط في وعي جمهوره بين الدفاع عن مرجعياته والدفاع عن الدين نفسه، فنشأت حصانة اعتادها طوال عقود وأصبح بعض قياداته وجمهوره المعبّأ يتعاملون معها باعتبارها حقًا مكتسبًا في الوصاية على المجتمع. لذلك يُستقبل نقد هذه المرجعيات بوصفه تعديًا على مكانة التنظيم وسلطته على الناس، وتُستدعى تهمة العداء للدين لحماية امتياز يسمح له بالحكم على الآخرين، ويمنعهم من إخضاع أفكاره وممارساته للمساءلة نفسها.

الهجمة على بيان "من أجل وطن تعددي عصي على التطرف والإرهاب" جاءت تعبيرًا عن هذا السلوك؛ فحين فتح البيان النقاش في الحواضن الفكرية للتطرف ومرجعياته ومنظّريه، جرى تقديمه للجمهور بوصفه هجومًا على الإسلام، وانتقل السجال من مناقشة حججه إلى محاكمة موقّعيه ومؤيديه في دينهم ووطنيتهم. وشاركت صفحات مشبوهة، غير معروف من يديرها ويقف خلفها، في التشهير وتأليب الناس، حتى وصل الاتهام إلى جمهور لم يقرأ نص البيان، وأصبح من دعمه مطالبًا بالدفاع عن نفسه ودينه، فيما تستعيد الأفكار التي أراد مناقشتها حصانتها وتُشيطَن المراجعة ويُصرف النقاش عنها.

ومن حق الجميع الرد على البيان ومناقشة عباراته وتقديراته، وهذا الحق يقتضي أمانة في عرض ما ورد فيه واحترامًا لحق أصحابه في طرحه، أما تصويرهم أعداءً للدين فيحوّل الخلاف إلى ترهيب وخطاب كراهية ويعطّل المراجعة التي نحتاجها بعد كل هذه الدماء. وحماية هذا النقاش والمشاركين فيه مسؤولية وطنية، لأن المجتمع الذي يخشى أبناؤه مساءلة منابع التطرف تبقى قدرته على مواجهة العنف والوقاية منه منقوصة.

وتتصل مواجهة هذه الحواضن بقراءة أوسع لاستهداف الدولة، فالأفكار التي تهيّئ الفرد للقطيعة مع مجتمعه ووطنه تفتح أيضًا باب استغلاله من شبكات تتجاوز الحدود، وهو ما يضع قابلية شبكات داعش للاختراق والتوظيف الاستخباري في صلب التقدير السياسي. وقد يتحرك المنفذ بقناعة عقائدية كاملة، بينما تستثمر جهة أخرى اندفاعه ودمويته لتحقيق غايات إقليمية تستهدف الأردن، مستفيدة من الاستعداد للقتل الذي أنتجه التكفير، ومن بقاء البيئة التي تغذيه محصّنة من النقد والمراجعة.

ويبدو أن الكيان الصهيوني هو المستفيد الأول من إضعاف الدولة الأردنية واستهدافها، وإغراقها في الخوف والانقسام، وإشغال مؤسساتها وأجهزتها الأمنية بالداخل، بما يقيّد قدرتها على التأثير في الإقليم ومواجهة مشاريع التهجير والتوطين والوطن البديل، والأهم إضعاف أوراقها في صراع التسوية الإقليمية. فانشغال الأردن بمعالجة اضطراب داخلي متجدد يضغط على استقلال قراره، ويضرب صورته وثقة الناس بقدرته على حماية كيانه ومجتمعه، ويمنح خصومه فرصة لتضييق خياراته ورفع كلفة مواقفه.

ويتراكم أثر هذا الاستنزاف حين يتبع الاعتداءَ استنفارٌ وموجات تحريض واتهامات، ويتسلل الخوف إلى علاقة المواطنين ببعضهم وبمؤسسات الدولة وقيادتها، حتى يصبح حفظ الاستقرار الداخلي عبئًا يضغط على الدور الإقليمي. وقد يحقق إبقاء الدولة قائمة ومنهكة مكاسب واسعة لخصومها، بما يدفعها إلى الانكفاء ويستهلك قدرتها على المبادرة والدفاع عن مصالحها.

ومواجهة مسار كهذا تستدعي استراتيجية أردنية تصل إلى المؤسسات والمنابر التي يتشكّل داخلها الوعي، بدءًا من المدرسة والمسجد والجامعة، وصولًا إلى الإعلام ومنصات التواصل، وتجمع بين مراجعة المناهج ومضامينها وتأهيل القائمين على التعليم والخطاب الديني ومتابعة أدائهم. فالمعلّم والخطيب والأستاذ الجامعي يحملون مسؤولية مضاعفة بحكم الثقة التي يمنحهم الناس إياها، ومن يوظّف هذه الثقة للتحريض على المختلف أو الانتقاص من مواطنته أو تسويغ الاعتداء عليه تجب مساءلته ووقف استغلاله للمنبر بإجراءات مهنية وقانونية واضحة، مع صون حرية الرأي والاختلاف وحق المجتمع في نقد الأفكار والسياسات.

وتتكامل هذه المسؤولية مع دعم الثقافة والانتماء الوطني والتفكير النقدي وحرية السؤال، حتى تؤدي مؤسساتنا دورها في بناء الإنسان وتعزيز ارتباطه بوطنه، وتُغلق منافذ تعبئته ضده. فالتماسك الذي نحتاجه لمواجهة الاستهداف يقوم على العدالة والثقة وشعور الأردنيين بأن الدولة تحميهم على قدم المساواة، وأن حقهم في الأمان والمواطنة ثابت مهما اختلفت أديانهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية، ومن هذه الثقة تستمد الدولة قوتها وقدرتها على حماية استقلال قرارها.

الوفاء للشهيد جواد السلايطة ولشهداء حمود يحمّلنا مسؤولية حماية الدولة الأردنية ومجتمعها، وصون قرارها الوطني، وإفشال كل مسار يريد تطويق الأردن وإشغاله بنفسه، وهي مسؤولية تبدأ بمواجهة القاتل وتمتد إلى تفكيك الفكر الذي يبيح له الدم، ومواجهة التحريض الذي يطوّق من يتجرأ على نقد هذا الفكر ويمنع المجتمع من مراجعة أسباب تجدده.

#ماوراء_الحدود
#الاردن_قد_السما





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :