facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




صفحة من تاريخ الاردن 85


د. محمد المناصير
06-09-2009 05:59 PM

كانت مصر بوصفها أكبر وأقوى الدول العربية نفوذا، هدفا لاستراتيجية الاستنزاف الإسرائيلية. الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر، الذي حل محل ويليام روجرز وزيرا للخارجية، توقفا عن مساعي التوسط بين الدول العربية وإسرائيل، وتبنيا اعتقاد إسرائيل في ان حالة الجمود في الشرق الأوسط تخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء، ولا تصب بأية حال في مصلحة الاتحاد السوفياتي وحلفائه العرب. حتى تجاه الاردن لم يبد القادة الإسرائيليون أي مرونة دبلوماسية أو رغبة في التوصل إلى اتفاق سلام. وكان الملك حسين على قناعة بأن الفشل في كسر هذا الجمود سيؤدي إلى عدم الاستقرار والاضطراب والحرب في نهاية المطاف. وفي مطلع فبراير (شباط) 1973 وصل الملك حسين إلى واشنطن لطرح قلقه وهواجسه تجاه الوضع مع الرئيس ريتشارد نيكسون وكبار المسؤولين في دوائر صنع السياسة في الإدارة الأميركية. إلا ان إسرائيل لا ترى وجود ما يحفزها على التفاوض ما دام الملك حسين واقفا لوحده. كما ان إعادة الأراضي التي استولت عليها تبدو في نظر إسرائيل أقل أمنا من الوضع الراهن. الضفة الغربية، بما تعكسه من ارث تاريخي، من المحتمل ان تشعل جدلا عنيفا على الصعيد الداخلي في إسرائيل ـ الحزب الوطني الديني، الذي لا يستطيع الائتلاف الحالي الحكم بدونه، يعارض بقوة إعادة أي جزء من الضفة الغربية».

عندما عاد الملك حسين مجددا إلى واشنطن في 27 فبراير (شباط) أطلعه كيسنجر على المقترحات المصرية للتوصل إلى حل للنزاع. وعكس رد الملك حسين عمق ثقته في أنور السادات. كيسنجر بدوره لمس مؤشرات نهجين منفصلين من جانب القادة العرب، الذين يحول تشكيكهم في بعضهم بعضا دون التوصل إلى موقف مشترك. أنور السادات كان يستغل الفلسطينيين بهدف الاعتراض على خطوات الأردن، فيما عمل الملك حسين على إثارة مخاوف واشنطن من تعنت سوفياتي لإبطاء التوصل إلى سلام بين مصر وإسرائيل. الملك حسين، الذي كان في ذلك الوقت يقف لوحده بين القادة العرب، كان على استعداد لطرح شروط محددة للسلام. ففي لقائه الثاني مع كيسنجر سلمه ورقة حدد فيها العناصر التي كان قد طرحها في البداية: «الأردن على استعداد للتفاوض بصورة مباشرة مع إسرائيل بشأن الضفة الغربية. ستكون هناك تعديلات على الحدود شريطة إعادة قطاع غزة. إذا استعاد الاردن سيادته، فمن الممكن السماح بإقامة نقاط عسكرية إسرائيلية على طول نهر الأردن، وربما حتى مستوطنات إسرائيلية، شريطة ان تكون جيوبا معزولة على أراض أردنية». وقال الملك موضحا لكيسنجر أن تلك المقترحات كانت قد طرحت على إسرائيل لكنها رفضتها. ورأى كيسنجر ان ثمة حاجة إلى طرح مقترح أميركي وليس مقترحا أردنيا مرة أخرى. عكست تلك الورقة، في واقع الأمر، تحسنا في الشروط الأردنية. في ما وافق الملك حسين، حسبما جاء في الورقة التي قدمها إلى كيسنجر، بوجود مستوطنات ونقاط عسكرية إسرائيلية.

تلت زيارة الملك حسين إلى واشنطن زيارة لغولدا مائير، التي التقت الرئيس نيكسون في 1 مارس (آذار) 1973 وأعلنت ان الوضع بالنسبة لإسرائيل «لم يحدث ان كان بتلك الايجابية». وعلى حد قولها، فإن حالة الجمود أسلم بالنسبة لإسرائيل لأن العرب لم يكن في يدهم خيار عسكري. قبلت واشنطن ما ذهبت إليه غولدا مائير وسرّعت الولايات المتحدة من مساعدتها الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل. لم يصدر الأميركيون مقترحا عقب زيارة الملك حسين، ولم تفض محادثاته مع كيسنجر إلى شيء. الغرور والإعجاب الذاتي اللذان أبدتهما غولدا مائير في واشنطن عكسا موقفها تجاه الأردن. كانت هناك أيضا مؤشرات مبكرة على إجراء كل من مصر وسورية استعدادات لعمل عسكري ضد إسرائيل. وفي ذلك اللقاء طلب الملك حسين وقف تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق أراضي الأردن لدى عودتها من مهام الاستطلاع فوق سورية، إلا ان اسرائيل رفضت طلب الملك حسين رفضا قاطعا، وقالت في هذا السياق ان تهديدات سورية بشن هجوم على إسرائيل يجعل من المستحيل تلبيتها لطلب الملك حسين.

جعل التعنت الدبلوماسي الإسرائيلي والتهديدات العربية بشن حرب الملك حسين في وضع لا يحسد عليه. فهو لا يريد تكرار الخطأ الذي ارتكبه في حرب يونيو (حزيران) 1967 بالسماح للقادة العرب باستدراج بلده إلى حرب مع إسرائيل لم يكن على استعداد لخوضها. فالمشاركة في حرب أخرى كانت تتطلب منه بالضرورة الاتصال مع قادة دول المواجهة الأخرى، إلا أن مصر وسورية قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية مع الأردن. وفي مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1972 أرسل الملك حسين زيد الرفاعي في مهمة سرية للقاء الرئيس أنور السادات في القاهرة، حيث استمر اجتماعهما لمدة ست ساعات، وكان السادات صريحا في ذلك اللقاء وقال مخاطبا الرفاعي: «أدرك انني لست طرزان. أعرف جيدا مقدراتي. أنا لا أجيد الحرب الخاطفة. الإسرائيليون يجيدون الحرب الخاطفة. سأخوض حربا بهدف إعادة تنشيط الوضع السياسي وليس التحرير العسكري. سأشن حربا محدودة أعبر فيها قناة السويس واؤمن فيها موقعا محصنا وأتوقف، ثم أطلب من مجلس الأمن المناشدة بوقف إطلاق النار. هذه الإستراتيجية ستضمن لي انتصارا وتقلل الخسائر وتؤدي إلى تنشيط عملية السلام مجددا». وقد أشار الرفاعي خلال الاجتماع إلى مخاطر تلك الإستراتيجية، إلا ان حديثه لم يكن مقنعا. ومن الناحية الأخرى، رحب السادات باقتراح الرفاعي زيارة للملك حسين إلى القاهرة للقائه ووضع شروطا لذلك، لكنه عاد وتغاضى عنها ووجه الدعوة إلى الملك حسين لزيارة القاهرة والمشاركة معه والرئيس السوري حافظ الأسد في قمة مصرية ـ سورية ـ أردنية لمدة ثلاثة أيام في القاهرة تبدأ في 10 سبتمبر (أيلول) 1973. تضمن جدول أعمال تلك القمة تسوية الخلافات بين الدول الثلاث وتنسيق إستراتيجيتها العسكرية ـ السياسية وإعادة العلاقات الدبلوماسية. أقر الملك حسين بأن إسرائيل إذا رفضت الانسحاب من الأراضي المحتلة، فإن ذلك لا يترك للعرب خيارا سوى تحريرها من خلال العمل العسكري، لكنه شدد على ان الحرب تتطلب استعدادا كافيا وتأييدا من جانب الدول العربية المنتجة للنفط. وعلق السادات من جانبه قائلا: ان دول المواجهة وحدها هي المسؤولة عن تحرير أراضيها. وضع السادات بعد ذلك موضوع الحرب جانبا وطرح مسألة منظمة التحرير الفلسطينية ولمح إلى أن الأردن يجب أن يسمح بعودة المنظمات الفلسطينية كمقابل لإعادة العلاقات الدبلوماسية. رفض الملك حسين بشدة وهدد بمغادرة القاهرة، وتراجع السادات ووافق على إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الاردن فورا. تظاهر الأسد بأنه في حاجة إلى التشاور مع زملائه، وبعد بضعة أيام أعلنت سورية إعادة العلاقات الرسمية مع الاردن.

وهكذا بدت القمة في نظر الملك حسين بمثابة انتصار، فالحرب نوقشت كخيار محتمل ولكن فقط بعد إجراء الاستعدادت اللازمة، وكل ما كان متوقعا من الأردن هو ان تردع أي هجمات إسرائيلية على الخطوط الخلفية للقوات السورية عبر الأردن. أعيدت العلاقات الدبلوماسية مع الاردن، ولم يخضع الملك حسين لشروط السادات. لم يدرك الملك حسين خلال ذلك الوقت ان أنور السادات وحافظ الأسد عقدا خلال وجوده في القاهرة إبان تلك الزيارة اجتماعا سريا لوضع اللمسات الأخيرة لخطة حرب مشتركة ضد إسرائيل. وما لم يدركه الأسد هو ان السادات كانت لديه خطته الخاصة للحرب. وبعد انتهاء الحرب قال الأسد لزيد الرفاعي ان السادات خدعه. فالزعيمان وافقا على شن حرب لتحرير الأراضي المحتلة، إلا ان السادات كان يخطط لحرب محدودة بغرض إعادة تنشيط العملية السياسية. وطبقا للخطة المشتركة، من المفترض ان يدخل الجيش السوري المعركة لتحرير كل مرتفعات الجولان، فيما كانت خطة السادات للحرب تهدف إلى عبور قناة السويس والتوقف، بدلا من شن هجوم على الجيش الإسرائيلي في سيناء والتقدم باتجاه ممري الجدي ومتلا. وفي وقت لاحق قال الأسد إن الخطة المصرية مكّنت إسرائيل من تركيز كل قوتها ضد سورية.

ان تأكيدات الملك حسين على عدم إبلاغه خلال قمة القاهرة بخطة الحرب يدعمها ما جاء في مذكرات أبو إياد (صلاح خلف). فقد أورد أبو إياد في مذكراته ان ياسر عرفات وفاروق القدومي عرفا من السادات في 9 سبتمبر (أيلول) 1973 بشأن الحرب الوشيكة ضد إسرائيل، فيما لم يبلغ الملك حسين، الذي وصل إلى القاهرة في 10 سبتمبر، أي شيء بشأن هذه الحرب. فقد أكد لهما السادات انه لا يعتزم أن ينبس ببنت شفة للملك حسين بشأن الحرب. وقال السادات ان الغرض الأساسي لتلك القمة، التي جمعت السادات والأسد والملك حسين، هو إعادة العلاقات مع الاردن بغرض إيجاد الظروف المناسبة على «الجبهة الشرقية» خلال الحرب المقبلة.

أكد الملك حسين من جانبه انه فوجئ تماما باندلاع الحرب وانه ابلغ باندلاعها عندما كان وزوجته الراحلة عالية على متن دراجة نارية في ضواحي عمان. وقال ان سيارة أمن ظهرت خلفهما وأشار سائقها له بالتوقف مستخدما الأضواء الأمامية للسيارة ليبلغه باندلاع الحرب. وأكد أيضا ان لا فكرة لديه مطلقا بحدوث عمل عسكري بذلك المستوى وفي ذلك الوقت بالذات. اما زيد الرفاعي .

جاء الهجوم يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 مفاجئا تماما لإسرائيل، الأمر الذي ساعد العرب على تحقيق انتصارات عسكرية مؤثرة، خلال الأيام الأولى عقب اندلاع القتال. فالجيش المصري عبر قناة السويس واستولى على خط بار ـ ليف بمحاذاة القناة وتقدم عشرين كيلومترا داخل سيناء وألحق خسائر كبيرة في صفوف القوات الإسرائيلية وقواتها الجوية والمدرعة. كما شن الجيش السوري هجوما مدرعا مكثفا وفاعلا على مرتفعات الجولان. الأمر الرئيسي الذي كان يشغل ذهن الملك حسين عقب اندلاع الحرب كان حماية الاردن. إلا ان مستوى الاستعداد المتدني لقوات الدفاع الإسرائيلية، التي كانت تحتفظ بـ70 دبابة فقط متمركزة على طول الجبهة الشرقية، كان عاملا محفزا للأردن للانخراط في المعركة. إزاء ذلك انقسم مستشارو الملك حسين، فالرفاعي وعامر خماش، الرئيس السابق لهيئة الأركان، عارضا دخول الاردن الحرب، فيما رأى السكرتير الخاص للملك، وعدد من قادة الجيش ان على الاردن دخول الحرب. يضاف إلى ذلك ان عددا من أعضاء الحكومة كان يرى انه على الاردن الا يبقى خارج معركة يخوضها أشقاؤه العرب لتحرير الأراضي المحتلة. كان هناك تأييد شعبي عربي للمشاركة في ما وصفت بأنها معركة مصير، فقد طلب الملك فيصل من الملك حسين السماح للواء السعودي المرابط في الاردن بالانتقال إلى سورية. منظمة التحرير الفلسطينية كانت تريد أيضا ان تكون جزءا من المعركة وبدأت الضغط على الملك حسين بهدف السماح لآلاف الفدائيين بالعبور من الاردن إلى داخل إسرائيل لتنفيذ عمليات فدائيةالملك حسين رفض ذلك الطلب وقال ان ذلك سيكون بمثابة فتح الاردن جبهة ثالثة ضد إسرائيل من داخل أراضيه. عند ذلك أجرى أبو إياد اتصالا بالسادات طالبا منه التدخل لمصلحة منظمة التحرير الفلسطينية، غير ان السادات كان يشك في دخول الملك حسين المعركة إلا إذا ضعف موقف إسرائيل تماما في الحرب على نحو يجعلها غير قادرة على تشكيل خطر على الأردن. كان الملك حسين يرغب في ان يفعل شيئا إلى جانب أشقائه العرب ويدعم جارته سورية ولكن من دون ان يترتب على ذلك هجوم إسرائيلي يستهدف الاردن. فكّر الملك حسين في إرسال لواء أردني مدرع إلى سورية ، وهذا ما كان .

الى اللقاء في الحلقة القادمة …





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :