facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سردية العُمران الأردني عبر العصور


د. عبدالمجيد الرجوب
10-02-2026 01:45 AM

قراءة في «الأردن: الأرض والإنسان»..

في سياق مشروع توثيق السردية الأردنية «الأردن: الأرض والإنسان» الذي أطلقته وزارة الثقافة استجابةً لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد، تتقدّم الحاجة إلى مقاربةٍ تُحوِّل العنوانين الكبيرين—الأرض والإنسان—من إطارٍ عام إلى معرفةٍ قابلة للتوثيق والتحليل. وهنا يبرز محور العمارة والعمران بوصفه المدخل الأكثر قدرةً على تجسيد هذه العلاقة؛ فالعمران ليس مجرد مبانٍ ومنشآت، بل هو سجلٌّ ماديٌّ يختزن خبرات المجتمع في التكيّف مع المناخ، وإدارة الموارد، وتنظيم المدينة، وتطوير تقنيات البناء، وصياغة الفضاء العام وتشكيل علاقات الافراد داخل المجتمع. فحين نقرأ المكان المبني، فإننا نقرأ في الوقت نفسه تاريخ العيش والعمل والحركة، ونقرأ أثر السياسة والاقتصاد والقيم في تفاصيل الشارع والسوق والبيت والحيّ.

إن تعزيز محور العمران في مشروع «الأردن: الأرض والإنسان» ليس إضافةً شكلية، بل ضرورةٌ منهجية؛ لأن العمران هو المساحة التي تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ، وتتحوّل فيها الموارد إلى أنماط عيش، وتترجم فيها القيم الاجتماعية إلى تنظيماتٍ فراغية تُعرّف المجتمع وتكشف ملامحه. ومن خلال تتبع نشوء المستوطنات والمدن عبر الحضارات المتعاقبة، يمكن قراءة التجربة الأردنية بوصفها تراكمًا طويلًا من إنتاج المكان وصيانة المعنى، لا بوصفها فصولًا متقطعة.
فالأرض بمواردها ومناخها ومساراتها، والإنسان بحاجاته ومتطلباته وقيمه، أنتجا عبر الزمن عمرانًا تراكميًا صنع القرى والمدن وراكم خبراتٍ معمارية وإنشائية متواصلة.

تبدأ الحكاية من أزمنة الاستيطان المبكر، حيث ظهرت أولى أشكال السكن الدائم في قرى زراعية قديمة، ومعها تشكلت خبرات البناء بالطين والحجر، وتطورت حلول تضمن الاستقرار وتراعي المناخ والظل والتهوية. ثم جاء زمن ممالك المنطقة القديمة، فتعززت مفاهيم “المركز” و“السوق” و“الطريق”، وصار العمران يعكس سلطةً وإدارةً وحركة تجارة، وتحوّلت التجمعات إلى نقاط استقرار وتبادل وعقد اتصال في الإقليم.

ومع الأنباط بلغت الخبرة العمرانية قفزةً واضحة، فالبترا لا تُقرأ بصخورها وحجارتها وحدها، بل تُقرأ بعبقرية إدارة الماء والطرق، وبالمنحوتات والواجهات التي جمعت التقنية بالرمز، وبفهمٍ عميقٍ لطبيعة المكان وقدرته على تحويل القسوة الجغرافية إلى فرصةٍ للابتكار. ثم في العصر الروماني والبيزنطي ترسخت فكرة المدينة “المنظمة”: شوارع رئيسية، وساحات عامة، ومنشآت مدنية، وبنى خدمية، كما يظهر في مدن مثل جرش وفيلادلفيا وأم قيس، وهي مرحلة عززت خبرات الأقواس والعقود والإنشاء الحجري وشبكات الحركة، وربطت المدينة أكثر بوظائفها العامة والاقتصادية والاجتماعية.

ومع دخول العصور الإسلامية تغيّر إيقاع العمران، فظهرت أنماط أكثر توازنًا بين العام والخاص، وتكرست قيم مثل الخصوصية والكرم، وتعززت أدوار المراكز الدينية والاجتماعية، وتجلّت الدولة المبكرة في قصور الصحراء والطرق، بوصفها علامات على إدارة المجال وتنظيم الحركة. ثم تتابعت العصور الأيوبية والمملوكية مع اهتمام أوضح بالتحصين وحماية المسارات، فبرزت القلاع والمدن الحصينة مثل الكرك والشوبك بوصفها عمرانًا للحدود والسيطرة والاقتصاد، حيث يصبح البناء جزءًا من فهم المكان بوصفه أمنًا واستقرارًا وعبورًا، لا مجرد كتلٍ حجرية.

وفي العهد العثماني تعمّقت فكرة “الخدمة والبنية التحتية” في العمران: إدارة الطرق والقوافل، والمنشآت الخدمية، وتطور مراكز حضرية في الشمال والوسط والجنوب. ويبرز مفصلٌ مهم في بدايات القرن العشرين مع سكة حديد الحجاز ومحطاتها ومنشآتها وخزاناتها ومرافقها، إذ بدأت المدن تتشكل حول النقل والعمل والخدمات الحديثة، وأصبح للبنية التحتية دورٌ مباشر في إعادة ترتيب المراكز الحضرية ودفع النمو في مناطق بعينها. ثم جاء زمن الإمارة والدولة الأردنية الحديثة، فتسارع تشكّل المدن وتوسعها عبر المدارس والدوائر الرسمية وشبكات الطرق والأحياء الجديدة، ومع مواد وتقنيات بناء حديثة كالخرسانة والحديد التي غيّرت ملامح العمارة. غير أن التحولات الحديثة لم تُلغِ الأثر المحلي؛ إذ بقي الحجر حاضرًا في كثير من المدن، وبقيت روح الحارة والسوق والبيت الأردني تتفاوض مع الحداثة، محافظةً على أجزاء من الهوية ضمن تغيرات العصر.

إن أهمية العمران في السردية الأردنية تنبع من كونه شاهدًا قريبًا من الناس، يمكن رؤيته وزيارته وتوثيقه، وربطه بتحولات المجتمع والاقتصاد والسياسة عبر الزمن. فهو يتيح الانتقال من سردٍ عام إلى قراءةٍ ملموسة: كيف أدار الناس الماء؟ كيف تشكلت الأسواق؟ كيف تطورت المدينة؟ كيف أثّرت طرق التجارة والبنية التحتية في نشوء المراكز الحضرية؟ وكيف انعكست القيم الاجتماعية في تنظيم البيت والحيّ؟ بهذه الأسئلة يتحول العمران إلى مادة علمية حيّة تُفهم بالمعاينة والتحليل، وتُعرض بوصفها ذاكرةً مشتركة لا مجرد تراثٍ ساكن.

خلاصة القول إن العمران الأردني ليس فصولًا منفصلة، بل تراكمٌ ممتد من خبرات معمارية وإنشائية: من البناء بالحجر والطين، إلى الأقواس والعقود والتحصينات، إلى إدارة الماء والطرق، وصولًا إلى البنية التحتية الحديثة ونشوء المدينة المعاصرة. ومن هنا، فإن إدراج محور العمران بوصفه محورًا أساسيًا في مشروع «الأردن: الأرض والإنسان» يمنح السردية قوةً ووضوحًا، ويؤسس لمرجعية وطنية راسخة تُنصف المكان وتُظهر الإنسان في علاقته العميقة بالأرض.

* الأستاذ الدكتور عبدالمجيد الرجوب
أستاذ الهندسة المعمارية في جامعة آل البيت





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :