فقيد الوطن الكبير احمد باشا عبيدات
محمد مطلب المجالي
03-02-2026 07:34 AM
و يرحل رجال الدولة و يبقى الوطن شاهدًا
على نسق هزّاع المجالي ووصفي التل، يُكتب عن الرجال الذين لا تُختصرهم المناصب، ولا تُغلق سيرتهم ببيان نعي، بل تبقى مفتوحة في ضمير الوطن وذاكرته، شاهدة على زمنٍ كان فيه للسياسة معنى، وللدولة هيبة، وللرجال وزن.
نودّع اليوم فقيد وطن كبير، دولة المرحوم أحمد باشا عبيدات؛ رجل دولة من الطراز الرفيع، وصاحب رؤية عميقة سبقت زمانها، فكان حضوره أثقل من المناصب، وأبقى من المواقع. لم يكن اسمًا عابرًا في سجل المسؤولين، بل قامة وطنية سامقة، تشبه الأردن حين يكون واثقًا من نفسه، صلبًا في مواقفه، عادلًا في قراراته.
كما كان هزّاع المجالي صريحًا حتى الشهادة، ووصفي التل حاسمًا حتى الاستشهاد، كان أحمد باشا عبيدات واضحًا حتى النهاية. لا يساوم على الوطن، ولا يناور على حساب الدولة، ولا يتلوّن مع المواسم. آمن بأن الأردن فكرة ورسالة، لا غنيمة ولا مكسبًا عابرًا، وبأن السلطة تكليف ثقيل لا امتياز يُستثمر.
كان يرى الدولة كيانًا أخلاقيًا قبل أن تكون جهازًا إداريًا، ويؤمن أن هيبتها تُصان بالعدل لا بالخوف، وبسيادة القانون لا بالأهواء. لم يغازل الشعبوية، ولم يركن إلى الخطاب المبتذل والثرثرة السياسية، بل اختار الكلمة المحسوبة، والموقف المسؤول، والصمت حين يكون الصمت حكمة لا ضعفًا.
وفي الجانب الشخصي، وإن اختلفنا معه أحيانًا، فإننا لا نختلف على أنه شخصية سياسية واجتماعية وثقافية ووطنية، ومحط احترام وتقدير. فقدنا بخسارة كبيرة، ورحل واقفًا، سنديانة جميلة ورجل دولة من الطراز الرفيع.
في زمن كثرت فيه الحسابات الضيقة، ظلّ تفكيره واسعًا، ووطنيته جامعة، ونظرته تتجاوز اللحظة إلى المستقبل. حفظ هيبة الدولة دون أن يكسر إرادة الناس، ووازن بين الأمن والحرية، وبين الحزم والعدل، فاستحق احترام الخصوم قبل الأصدقاء. لم يكن محبوبًا لأنه أرضى الجميع، بل لأنه احترم عقول الناس، وقال ما يراه حقًا ولو كان ثقيلًا.
برحيله، لا نفقد شخصًا فقط، بل نفقد جزءًا من ذاكرة الدولة الأردنية، ومن جيلٍ نادرٍ بنى ولم يهدم، وخدم ولم يتاجر، واختلف دون أن يخاصم الوطن. جيلٍ يشبه هزّاع المجالي في شجاعته، ووصفي التل في صلابته، ويشبه أحمد باشا عبيدات في استقامته الوطنية ونقائه السياسي.
نعم، فمثله فلتبكِ البواكي؛
لا بكاء ضعف، بل بكاء وفاء واعتراف بالفضل.
فالأوطان لا تبكي كل الراحلين،
بل تبكي من كانوا أعمدة في بنائها،
وحراسًا لبوصلة قرارها،
وشهود صدق على فكرة الدولة.
رحم الله دولة المرحوم أحمد باشا عبيدات،
ورحم معَه كل الرجال الذين كتبوا تاريخ الأردن بالفعل لا بالكلام المستهلك،
وحفظ هذا الوطن برجاله الصادقين… وإن قلّوا.