facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تفكيك الوهم الترامبي من فلسطين إلى جرينلاند


السفير الدكتور موفق العجلوني
27-01-2026 09:48 AM

حين يصبح السلام اسماً بلا مضمون في السياسة الدولية، لا تكمن خطورة المشاريع الفاشلة في سقوطها، بل في قدرتها على التنكر بلغة براقة تخفي فراغها الداخلي. وهذا بالضبط ما ينطبق على ما يُسمّى بـ«مجلس سلام ترامب» أو «السلام الترامبي»؛ كيانٌ يرفع لافتة السلام، بينما يخلو من أي مضمون سياسي، قانوني، أو أخلاقي يؤهله ليكون مشروعاً لحل الصراعات. وكما يقول المثل الشعبي الدقيق: هو فستق فارغ… صوته أعلى .

أخطر ما في مجلس سلام ترامب أنه لم يعرّف السلام أصلاً. ففي الأدبيات السياسية، السلام يعني: إنهاء الاحتلال ، ضمان الحقوق ، معالجة ، جذور الصراع و توفير آليات دولية للضمان والتنفيذ .

أما في النموذج الترامبي، فالسلام يُختزل إلى: غياب مؤقت للعنف ، تحسينات معيشية مشروطة ، و اتفاقات تطبيع منفصلة عن جوهر الصراع و إدارة الأزمة لا حلّها . وبذلك، يتحول السلام من حالة سياسية قائمة على العدالة إلى حالة إدارية تُدار بالأموال والضغوط.

لا يمكن فهم مجلس السلام هذا دون العودة إلى السجلّ السياسي للرئيس ترامب، الذي قدّم لإسرائيل ما لم يجرؤ عليه أي رئيس أمريكي سابق، لا لأن إسرائيل احتاجت وسيطاً منحازاً، بل لأنها حصلت على راعٍ سياسي ألغى فكرة الوساطة من الأساس.

منح ترامب إسرائيل: القدس عاصمة كاملة خارج أي تفاوض ، شرعنة الاستيطان باعتباره “واقعاً” . إسقاط ملف اللاجئين من المعادلة ، تقويض الأونروا كعنوان للحق الدولي ، وًالاعتراف بضم الجولان لاسراىيل .

هذه ليست “تنازلات تفاوضية”، بل هدايا سيادية من طرف لا يملكها إلى طرف لا يحق له الحصول عليها. وعندما يُبنى مجلس سلام على هذا الأساس، فهو لا ينتج سلاماً، بل يُشرعن نتائج القوة.

العقلية ذاتها ، قد يبدو الربط بين فلسطين وجرينلاند للوهلة الأولى قفزة تحليلية، لكنه في الواقع مفتاح الفهم الحقيقي لذهنية الرىيس ترامب السياسية. وًمحاولته : شراء جرينلاند أو التلويح بالسيطرة عليها ، أو التعامل معها كأصل استراتيجي قابل للاستحواذ ،حيث تكشف العقلية نفسها التي تحكم تعاطيه مع فلسطين .

بهذه الذهنية، لا فرق بين: أرض محتلة يجب إنهاء احتلالها ، وأرض ذات سيادة تُعرض كصفقة ، كلاهما، في نظر ترامب، ملف قابل للتداول التجاري.

كل تجارب السلام التاريخية—من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى دايتون—نجحت أو فشلت ضمن شرط واحد: وجود إطار دولي ضاغط ومتعدد الأطراف.اما سلام ترامب، فجاء:

بلا الأمم المتحدة
بلا شرعية قرارات دولية
بلا ضمانات تنفيذ
بلا مشاركة قوى موازنة كروسيا أو الصين
وبلا موقف أوروبي مستقل

إنه مجلس سلام خارج الزمن السياسي، يحاول فرض حلول القرن الحادي والعشرين بعقلية صفقات القرن التاسع عشر.

اما الاختبار الذي فشل فيه المجلس قبل أن يولد فهو غزة ليست تفصيلاً إنسانياً، بل اختبار صدقية أي مشروع سلام. ومجلس سلام ترامب فشل في هذا الاختبار قبل أن يبدأ، لأنه:

تعامل مع غزة كملف إغاثي
فصلها عن الضفة والقدس
تجاهل الحصار بوصفه شكلاً من أشكال العقاب الجماعي
لم يربط إعادة الإعمار بالحل السياسي

فالعالم اليوم لا يرى في غزة أزمة إنسانية فقط، بل دليلاً دامغاً على إفلاس مقاربة السلام الترامبية.

اما لماذا هو “فستق فارغ” سياسياً؟
لأن هذا المجلس:
بلا رؤية سلام
بلا تعريف للاحتلال
بلا اعتراف بعدم توازن القوة
بلا آليات إلزام
بلا شرعية دولية

هو هيكل لغوي، لا مشروع سياسي.
اسمٌ كبير لمحتوى صغير.

و السوءال الذي يمكن طرحه ، اين الروءية المستقبلية لهذا السلام ، و الى اين يقود هذا النوع من السلام؟

إذا استمر نموذج “السلام الترامبي”، فإن المستقبل لا يحمل: استقراراً دائماً ولا سلاماً مستداماً ، بل يحمل صراعات مؤجلة ، و انفجارات دورية ، و تآكلاً في القانون الدولي ، و صعود منطق القوة على حساب العدالة , وسيُسجَّل هذا النموذج تاريخياً لا كمبادرة سلام، بل كمرحلة شرعنة للفوضى الدولية تحت غطاء الدبلوماسية.

و اخيرا و ليس اخراًً، السلام لا يُدار بعقلية الصفقة . إن مجلس سلام الرىيس ترامب ليس فاشلاً لأنه لم ينجح بعد، بل لأنه غير قابل للنجاح من حيث التكوين. فالسلام لا يُبنى بالهدايا لطرف واحد، ولا بإقصاء القانون الدولي، ولا بتحويل القضايا الوجودية إلى ملفات تفاوض عقاري.

من فلسطين إلى جرينلاند، الرسالة واحدة:
حين تُدار السياسة بعقلية الصفقات، يصبح السلام وهماً، وتصبح الفوضى هي النتيجة المنطقية .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :