facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي في اقتصاد متغيّر: لماذا لا يموّل التقاعد الراتب وحده؟


د.جلال الشورة
07-03-2026 08:18 PM

لم يعد النقاش حول الضمان الاجتماعي في الأردن يحتمل التكرار ذاته كل بضع سنوات. في كل مرة يُفتح فيها ملف الإصلاح، يعود الجدل إلى السؤال نفسه: هل نرفع سن التقاعد؟ هل نزيد الاقتطاعات؟ وكأن الراتب هو المصدر الوحيد الممكن لإنقاذ النظام.

تدير المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي نظامًا تأمينيًا يعتمد أساسًا على الاشتراكات المقتطعة من رواتب العاملين ومساهمات أصحاب العمل. هذا النموذج كان منطقيًا في اقتصاد يقوم على الوظيفة التقليدية ذات الدخل الثابت. لكن الاقتصاد الأردني، مثل غيره، تغيّر جذريًا. توسّع العمل الحر، ونمت التجارة الإلكترونية، وازدهرت المنصات الرقمية، وظهرت أنماط دخل لا تمر بالكامل عبر كشوف الرواتب الشهرية.

ورغم هذا التحول، ما زال تمويل التقاعد مرتبطًا أساسًا بالراتب. كلما ظهرت ضغوط مستقبلية، اتجهت الأنظار إلى جيب الموظف: زيادة نسبة الاقتطاع، أو تأخير سن التقاعد، أو تضييق شروط التقاعد المبكر. المشكلة أن هذه الأدوات تعالج العرض ولا تعالج الهيكل.

جوهر الخلل أن قاعدة التمويل ضيقة. عندما يتباطأ نمو الوظائف أو ترتفع البطالة، تتباطأ الاشتراكات. وعندما يرتفع عدد المتقاعدين بفعل التحولات الديموغرافية، يزداد الضغط. في ظل هذه المعادلة، يصبح أي تراجع اقتصادي تهديدًا مباشرًا لاستدامة النظام. رفع سن التقاعد قد يمنح فسحة زمنية، لكنه لا يوسع القاعدة. وزيادة الاقتطاع قد ترفع الإيرادات مؤقتًا، لكنها تضغط على الدخل وتثير توترًا اجتماعيًا لا يمكن تجاهله.

إذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا، فعلينا أن نعيد طرح السؤال من أساسه: لماذا يبقى تمويل التقاعد محصورًا في الراتب، بينما الاقتصاد بات متعدد المصادر؟ لماذا لا يرتبط الضمان بالنمو الاقتصادي نفسه؟ عندما ينمو الاقتصاد، ترتفع الإيرادات العامة تلقائيًا. من المنطقي أن يُخصص جزء صغير جدًا من الزيادة الناتجة عن النمو، وليس من الضرائب الأساسية، لدعم استدامة الضمان. بهذه الطريقة، يصبح النظام شريكًا في الازدهار لا عبئًا يُدار بمعزل عنه. في سنوات الركود لا يُفرض عبء إضافي، وفي سنوات النمو يستفيد التقاعد تلقائيًا.

الأمر ذاته ينطبق على الاقتصاد الرقمي الكبير. لا يتعلق الأمر بفرض أعباء خانقة أو إعاقة الابتكار، بل بإقرار مساهمة رمزية للغاية على العمليات الرقمية ذات الأحجام الكبيرة، فوق سقف محدد، تُحوَّل مباشرة لصالح الضمان. نسبة ضئيلة لا يشعر بها المستهلك العادي، لكنها تعني أن كل نشاط اقتصادي يستفيد من الاستقرار الوطني يشارك في تمويل استدامته الاجتماعية. العدالة هنا ليست شعارًا، بل إعادة توزيع عقلاني للمخاطر بين العمل ورأس المال والنشاط الرقمي.

الضمان ليس ملفًا تقنيًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل انعكاسًا له. لا يمكن أن نطالبه بالاستدامة إذا ظل معتمدًا على مصدر واحد في اقتصاد متنوع. استمرار التفكير ضمن الدائرة التقليدية يعني أننا سنعود بعد سنوات قليلة إلى النقاش ذاته: هل نزيد الاقتطاع أم نرفع السن؟ أما توسيع قاعدة التمويل ليشمل النمو الاقتصادي والأنشطة الجديدة، فيمنح النظام قدرة أكبر على امتصاص الصدمات دون اللجوء الدائم إلى جيب الموظف.

السؤال لم يعد كم سنة نضيف إلى عمر العمل، بل كيف نعيد كتابة فلسفة تمويل التقاعد بما يواكب اقتصاد 2040. إذا كان الاقتصاد قد تغيّر، فلا بد أن يتغيّر معه الضمان. الاستدامة لا تُبنى بقرار واحد، لكنها تبدأ بفكرة واضحة: التقاعد مسؤولية الاقتصاد بأكمله، لا الراتب وحده.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :