facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تفقد البترا بوصلتها الإدارية


د. اسماعيل ابوعامود
03-02-2026 09:39 AM

من البترا، عاصمة السياحة الأردنية وأحد أهم رموز الهوية الوطنية، تتصاعد في الآونة الأخيرة قصص وحكايات مقلقة. نسمعها من نواب المنطقة، ومن مواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومن قنوات إعلامية محترمة وإعلاميين كبار. الجميع يستغيث، ويطالب بـ“فزعة” عاجلة لإنقاذ البترا من إدارةٍ إن استمر نهجها الحالي، فإنها قد تُجهز على ما تبقى من مؤسسة وطنية شكّلت، لعقود، واجهة السياحة الأردنية وبيت خبرتها الأهم.

فعلى مدى سنوات طويلة منذ نشأة سلطة إقليم البترا، استطاعت المؤسسة، عبر إدارات متعاقبة، أن تبني شبكة واسعة من العلاقات المحلية والدولية، وأن تؤسس لشراكات استراتيجية انعكست دعمًا حقيقيًا للموقع وللمجتمع المحلي، سواء من خلال مشاريع تنموية، أو برامج تدريب وتأهيل للموظفين، أو عبر تراكم معرفي جعل من السلطة مرجعًا وخزان خبرة في الجوانب التسويقية والمالية والإدارية. والأهم من ذلك، أنها نجحت – رغم الشد والجذب – في بناء علاقة مع المجتمع المحلي، علاقة اتفق الجميع على أن جوهرها هو مصلحة البترا وأبنائها، تنمويًا وسياحيًا.

إلا أن ما نشهده اليوم يثير القلق؛ فقد تم انهاء خدمات ما يقارب 10% من أصحاب الخبرة والكفاءة، وبهذه الطريقة، لا يعني فقط خسارة موظفين، بل يمثل نزيفًا حقيقيًا في المخزون المعرفي والمؤسسي، وضربًا لتراكم خبرات بُنيت عبر سنوات طويلة، في مؤسسة يُفترض أن تعتمد على الاستدامة لا على الإقصاء.

نحن نتحدث عن البترا، إحدى عجائب الدنيا السبع، موقع عالمي يُدرّس في كتب السياحة والتراث، فإذا بنا نواجه اليوم ما يمكن وصفه بـ“عجائب الإدارة”، حيث تتحول المؤسسة من بيت خبرة وطني إلى ساحة لتصفية الحسابات، بدل أن تكون منصة لحماية الموقع، وتمكين المجتمع، واستعادة الزخم السياحي.

وفي وقتٍ يُفترض فيه أن تستعيد البترا عافيتها السياحية تدريجيًا بعد التراجع الذي فرضته تداعيات حرب غزة على الإقليم، نرى أرقامًا مقلقة لانكماش الحركة السياحية، حيث تتراجع أعداد الزوار إلى مستويات لا تتجاوز نحو ألف زائر يوميًا في بعض الفترات. يرافق ذلك تراجع واضح في مشاركة السلطة في المعارض السياحية الخارجية، وضعف الحضور الإعلامي الدولي، في وقت تُعد فيه هذه الأدوات من أساسيات الترويج السياحي وإدارة الأزمات.

بدلًا من ذلك، أصبحنا نرى تسويقاً لأنشطة روتينية على أنها إنجازات تنموية: اجتماع هنا، لقاء داخلي هناك، ركوب جمل، لعبة، أو تكريم فردي، وكأنها بدائل عن التخطيط الاستراتيجي والتسويق الاحترافي. وهنا يبرز سؤال مشروع: ما هو مفهوم التنمية لدى إدارة سلطة إقليم البترا؟ وهل تم الاطلاع فعلًا على رؤية التحديث الاقتصادي؟ وهل تتوافق السياسات الحالية مع توجيهات جلالة الملك وسمو ولي العهد، اللذين أكدا مرارًا على أهمية القطاع السياحي كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني؟

إن كسب ثقة المجتمع المحلي في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة إقليم البترا، ليس ترفًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا للنجاح. فالسلطة، بطبيعتها، مؤسسة تنموية، تقوم على مثلث واضح الأركان:

الموقع الأثري (المحمية) بوصفه كنزًا عالميًا يجب الحفاظ عليه،

والمجتمع المحلي باعتباره شريكًا أصيلًا ومدخلًا رئيسيًا للعملية السياحية،
والسائح بوصفه المحرك الاقتصادي ومصدر الدخل وفرص العمل.

ومن منظور اقتصادي تنموي، يُعد عامل “التوقعات” من أهم محركات الطلب والنمو. واليوم، يبدو جليًا أن توقعات جميع الشركاء – من مجتمع محلي، وقطاع خاص، ونواب المنطقة – باتت في أدنى مستوياتها تجاه إدارة إقليم البترا. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير، لأن استمرار العمل في هذا النهج لن يقود إلا إلى مزيد من التراجع، ليس فقط في أعداد السياح، بل في مكانة البترا كموقع، وكبيئة مجتمعية، وكقصة نجاح وطنية. البترا لا تحتاج إلى إدارة تُجمّل الواقع، بل إلى قيادة تمتلك رؤية، وتحترم الخبرة، وتعيد بناء الثقة، وتضع مصلحة الموقع وأهله فوق أي اعتبارات أخرى. فالتاريخ لا يرحم، وعجائب الدنيا تستحق إدارة بحجم عظمتها، لا عجائب إدارية تُهدد مستقبلها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :