حين يتحول المواطن إلى خزنة مفتوحة
د. مثقال القرالة
03-02-2026 11:05 AM
ما يحدث في الأردن لم يعد أزمة أسعار، بل عملية استنزاف مالي ممنهجة يدفع ثمنها المواطن وحده. لم تعد المشكلة في غلاء سلعة أو ارتفاع تعرفة، بل في فلسفة اقتصادية كاملة قائمة على تحميل الداخل كل الخسائر، وتمرير الخارج بأرخص الأسعار، وترك المواطن في منتصف المعادلة كضحية دائمة بلا حماية ولا مساءلة. الإسمنت المنتج من أرض هذا الوطن يُباع للمواطن بسعر يثقل كاهله، بينما يُصدّر للخارج بأقل من نصف القيمة رغم كلف الشحن والتأمين والمخاطر. الحديد المحلي يُرهق السوق الداخلي ويُخفف على الأسواق الخارجية. والكهرباء، العمود الفقري لأي اقتصاد، تُفرض على الأردني بتعرفة تضخمية خانقة، بينما تُسوق إقليمياً بأسعار تنافسية. هذه ليست سوقاً حرة، ولا سياسة نمو، بل تحويل قسري للمواطن إلى خزنة مفتوحة.
في لغة المحاسبة، ما يجري يُسمّى تحميل التكاليف غير العادلة. أي أن المواطن لا يدفع فقط كلفة الاستهلاك، بل يتحمل ديوناً لم يوقعها، وخسائر تشغيل لم يتسبب بها، وأخطاء تعاقدية لم يكن طرفاً فيها. فاتورة الكهرباء مثال صارخ على هذا الظلم المالي. المواطن الأردني لا يدفع فقط ثمن الكيلوواط ساعة، بل يُحمّل سنوياً فاقد الشبكة الكهربائية الفني والتجاري، ويُجبر على تغطية سرقات التيار، وضعف البنية التحتية، وهدر الطاقة، وسوء الإدارة التشغيلية. بدل أن تتحمل الجهات المسؤولة كلفة الفاقد كخسارة تشغيلية طبيعية كما هو معمول به عالمياً، يتم تمريرها مباشرة إلى الفاتورة، لتتحول خسائر المنظومة إلى عبء على المواطن.
وهنا تكمن الفضيحة المحاسبية الكبرى: المواطن يدفع ثمن الطاقة التي لم يستهلكها أصلاً. يدفع فاقد الشبكة، ويدفع سوء التخطيط، ويدفع كلفة الصيانة المؤجلة، ويدفع ثمن اتفاقيات طويلة الأجل أُبرمت دون دراسة مرنة للمخاطر. هذه ليست عدالة تسعير، بل تدوير للخسائر على حساب جيوب الناس. هذا النهج لا يقتل القدرة الشرائية فقط، بل يضرب الاقتصاد من جذوره. ارتفاع الكهرباء يرفع كلفة المصانع، والمزارع، والورش، والنقل، والتخزين، والتبريد. كل سلعة تمر بالكهرباء، وكل خدمة تتأثر بها. النتيجة سلسلة تضخم متراكمة تبدأ من عداد الكهرباء وتنتهي في سلة غذاء المواطن. الإسمنت المرتفع يرفع أسعار الشقق، ويضرب حلم السكن، ويجمد قطاع البناء، ويقتل فرص العمل. الحديد الغالي يخنق المقاولين ويعطّل المشاريع. ومع كل حلقة جديدة من الغلاء، ينكمش الطلب المحلي، تتراجع القدرة الشرائية، وتتآكل الطبقة الوسطى، ويتحول الاقتصاد إلى جسم مرهق بلا نبض إنتاجي حقيقي.
الأخطر من كل ذلك هو الصمت المالي الرسمي. لا شفافية. لا تفصيل للكلفة. لا كشف لهوامش الربح. لا بيان حقيقي لهيكل التعرفة. المواطن يُطلب منه الدفع دون أن يُسمح له بالسؤال. الفواتير تُفرض كأمر واقع، والأسعار تُرفع بلا تفسير، وكأن السوق الوطني لا يستحق الاحترام ولا المحاسبة. هذه ليست إدارة اقتصادية حديثة، بل عقلية جباية مغلّفة بلغة إصلاح. فالدولة التي تبني موازنتها على جيوب المواطنين لا تصنع استقراراً، بل تؤجل الانفجار الاجتماعي والاقتصادي. والدولة التي تصدر منتجاتها بأرخص من سعر بيعها لشعبها لا تدعم الاقتصاد، بل تعاقب الداخل لصالح الخارج. هذا المسار خطير، لأنه يخلق شعورًا عامًا بالظلم المالي، ويهدم الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويحوّل الإصلاح الاقتصادي إلى كلمة بلا معنى.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع الأسعار، بل بإعادة بناء منظومة التسعير من الصفر. يبدأ بإجبار الشركات الكبرى على كشف التكاليف الحقيقية. يبدأ بتحميل الفاقد والخسائر للمنظومة المسؤولة لا للمواطن. يبدأ بإعادة هيكلة تعرفة الكهرباء بعيداً عن خدمة الدين والاتفاقيات الثقيلة. يبدأ بحماية السوق المحلي قبل التصدير. يبدأ بإعادة تعريف المواطن كشريك اقتصادي لا كممول صامت. لأن استمرار هذا النهج يعني أن الأردني سيبقى يدفع الأغلى في وطنه، وسيبقى الاقتصاد ينمو على الورق فقط، وستبقى الأرقام تتحسن في التقارير بينما الواقع المعيشي ينهار. الأردن لا يحتاج شعارات اقتصادية جديدة، بل يحتاج شجاعة مالية حقيقية توقف هذا النزيف، وتعيد للعدالة المحاسبية معناها، وللسعر العادل قيمته، وللمواطن مكانته.