أبوظبي كنموذج عالمي في النظم الصحية الذكية
الدكتور مهند عبد الفتاح النسور
03-02-2026 12:19 PM
* تجربة رائدة موثّقة في سياق دافوس 2026
في سياق الاجتماعات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، برزت تجربة أبوظبي بوصفها نموذجًا متقدمًا في بناء النظم الصحية الذكية، وذلك من خلال ورقة تحليلية نشرها المنتدى قبيل انعقاد الاجتماعات، استندت إلى مؤشرات رقمية ونتائج عملية تُظهر أن التحول الصحي في الإمارة تجاوز مرحلة الرقمنة التقليدية إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على «الذكاء الصحي»، القائم على توظيف البيانات الضخمة، والتحليل التنبؤي، ودعم صناعة القرار المبني على الأدلة.
وقد استعرضت الورقة مجموعة من المؤشرات القابلة للقياس التي تعكس تطور البيئة الصحية في أبوظبي، وتُظهر كيف يمكن لنظام صحي متكامل، قائم على البيانات والذكاء الاصطناعي، أن يمكّن مقدمي الخدمات الصحية وصانعي السياسات من تحسين جودة القرارات الصحية ورفع كفاءة استخدام الموارد.
وتُعد هذه الورقة مرجعًا عمليًا للحكومات الساعية إلى الانتقال من النظم الصحية التقليدية إلى نظم ذكية متكاملة، إذ جاءت ثمرة تعاون بين المنتدى الاقتصادي العالمي ودائرة الصحة – أبوظبي، وبمشاركة عدد من الشركات العالمية العاملة في مجالات التكنولوجيا الصحية وتحليل البيانات.
ولم يعد مفهوم النظام الصحي الذكي في أبوظبي إطارًا نظريًا، بل انعكس في تحسينات ملموسة في مؤشرات الأداء الصحي. ومن بين هذه المؤشرات، تسجيل انخفاض بنسبة تقارب 30٪ في أوقات الاستجابة الطبية لحالات النوبات القلبية، ويُقصد بذلك تقليص الزمن بين لحظة الإبلاغ عن الحالة وبداية التدخل الطبي المنقذ للحياة، مقارنةً بمتوسطات مرجعية دولية، بما يعكس أثر التكامل بين البيانات الصحية الفورية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في دعم الخدمات الإسعافية والسريرية.
وعلى المدى الأطول، أتاح هذا النظام توفير بيانات دقيقة وفي الزمن الحقيقي لصانعي السياسات الصحية، ما مكّن من تعزيز التخطيط الوقائي القائم على استشراف المخاطر، بدل الاقتصار على الاستجابة للأزمات بعد وقوعها.
ولا تقتصر الدلائل على التقدم الذي حققته أبوظبي في هذا المجال على ورقة المنتدى الاقتصادي العالمي وحدها؛ ففي نوفمبر 2025، صُنّفت أبوظبي كموقع مرجعي عالمي من قبل منظمة SNOMED International، وذلك نتيجة النجاح في تطبيق معايير توحيد البيانات السريرية (SNOMED CT) على نطاق واسع ضمن منظومتها الصحية الرقمية. وتُعد هذه الخطوة إسهامًا مهمًا في تعزيز قابلية تبادل البيانات الصحية على المستوى الدولي، وقد أسهمت في تحسين قدرات الكشف المبكر عن السرطان عبر أنماط تحليل بيانات متقدمة، بما يزيد فرص العلاج ويُخفّض الأعباء الصحية والاقتصادية المرتبطة بالمرض.
إن تجربة أبوظبي في بناء نظم صحية ذكية لا تمثل نموذجًا تطبيقيًا منفردًا، بل تقدم إطارًا عمليًا يمكن للحكومات والمؤسسات الصحية الاستفادة منه، خصوصًا في الدول الساعية إلى تحسين نتائجها الصحية بكفاءة أعلى. فمن خلال الاستثمار في بنية تحتية صحية قائمة على التكامل الذكي للبيانات، استطاعت الإمارة تحسين جودة الرعاية الصحية، وتقليل الهدر، وتعزيز استدامة النظام الصحي، وهي نتائج وثقتها الورقة التحليلية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي في سياق دافوس 2026.
ولا يمكن إغفال الاستثمار طويل الأمد في بناء منظومة صحية تكاملية قادرة على ربط البيانات السريرية، وبيانات التأمين الصحي، والبيانات الجينومية، والوبائية، والبيئية ضمن معمارية موحّدة وقواعد حوكمة واضحة. وقد مكّن هذا التكامل النظام الصحي من الانتقال التدريجي من نمط الاستجابة للأمراض بعد حدوثها إلى نمط التنبؤ بالمخاطر الصحية والوقاية منها على مستوى السكان.
وفي جانب الحوكمة والكفاءة الاقتصادية، أسهم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل مليارات معاملات مطالبات التأمين الصحي في كشف أنماط الهدر وسوء الاستخدام، وتحسين إدارة الموارد المالية، وتعزيز الاستدامة الاقتصادية للنظام الصحي، وهو تحدٍ رئيسي تواجهه نظم الرعاية الصحية عالميًا.
وتشير التقارير المعروضة في سياق دافوس إلى أن هذا التكامل بين البيانات والذكاء الاصطناعي انعكس إيجابًا على مؤشرات الأداء الصحي، من حيث تسريع الاستجابة للحالات الطارئة، ودعم برامج الصحة الوقائية، وتعزيز القدرة على مراقبة صحة السكان في الزمن الحقيقي. كما أتاح ذلك لصانعي القرار أدوات تخطيط استباقي للتعامل مع المخاطر الصحية المرتبطة بالتغير المناخي، والشيخوخة السكانية، وانتشار الأمراض غير السارية.