facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





"الألبان وإشكالية المشتهي والمستحي"


عبد الحافظ الحوارات
15-07-2019 11:41 AM

هذا وحسب الميثولوجيا الإغريقية، ووفقاً لِ "بلينيوس الأكبر"، فإنّ صناعة الألبان والأجبان في اليونان قد بدأتْ منذ آلاف السنين، هكذا تصفها أيضاً الأوديسة التي ألّفها هوميروس، ومن هناك انتشرتْ إلى كل أوروبا، ثمّ إلى العالم أجمع.

في وقتنا الحاضر، وبالرغم من انزلاق أثينا إلى مرحلة الإفلاس الاقتصادي الذي سقطتْ به منذ سنين، إلّا أنّ منتجاتهم من الألبان والأجبان ما زالت تصعد وتهبط بكامل حيويتها على أرفُف أسواقنا. قبرص هي الأخرى تحلب شياهها كل صباح، وكذا حال الأتراك، ويعرضون مشتقّات ألبانهم كاملة الدسم أمام أفواه مستهلكينا الذين ما زال أغلبهم يترفّع عن الإنتاج.

وعلى طاري الإفلاس، وللمقاربات، فنحن في الأردن وبالأمس القريب حَبَونا نحو عتبة قياسية أخرى من ارتفاعات الدَّين العام لم نعهدها من قبل في عمر الدولة الأردنية، متجاوزين، ولأوّل مرّة، سقف التسعة والعشرين ملياراً من الدنانير الأردنية، فيما نُعايش في الوقت ذاته أزمة ترتبط بالألبان ومشتقاتها. هذا على الرغم مِن أنّ موروثنا الثقافي كان يتغنّى بالجبنة إلى الحدّ الذي جعل منها الإفطار الأشهى للصائم كما تصفها سميرة توفيق. أجزم أنّ تلك الجبنة كانت منزليّة الصنع.
إلى ما قُبَيل سِنِيّ الاغتراب العشرين التي قضيتها في الخليج، الخليج الذي حَوَّلني إلى وحشٍ من فئة المستهلكات، قُبيل تلك الفترة كان الأكل بالنسبة لي لا يعني إلّا صنفاً واحداً، يَصحبهُ في العادة رغيف من الخبز البلدي؛ إنّهُ اللبنُ المصنوع في بيتنا. كان الأبيضُ يُبيِّضُ سفرتنا في وجباتنا الثلاث على مدار اليوم، مثلما يُبيّض وجوهنا أمام أي ضيف طارئ.
إلى الشِّمال من دارنا كان ينتصب معرّش من خشب أشجار السدر بطول مترين وارتفاع نصف متر عن سطح الأرض، يكتسي ظَهرهُ بأعواد الرِّتَّام التي تحتضن الأحمال الراقدة على صدره أكياساً قماشية بيضاء، ندعوها "خرايط". لم أرها يوماً إلّا مملؤة بالبركة البيضاء التي تتفاوت قساوته من خريطة إلى أخرى. المشهد قاسٍ كذلك اليوم؛ إذ كلما ابتعدتُ عن الدار مكاناً وزماناً، كلما تلاشتْ رائحة ذاك اللبن. العرائش لا أثر لها، والخرائط تحجبها ستائر الحياء والزمن.
ما زلت أسأل في كل إجازة لي أقضيها في الريف عن أشيائي الثمينة: عن اللبن، وأسأل عن أسنان الذهب التي كانت تُزيّن ثغور النساء الضامرات، أسأل عن "المنائح" التي كان ثغاؤها يوقظنا كل صباح، وعلى ضوضائه كانت تغيب شمس نشاطاتنا. لا شيء من هذا كلّه الآن، لا شيء سوى المزيد من القلق على المستقبل. وكَكاذِبٍ سوف أردّد: لا شيء يُقلقني في غيابك...
في موروثنا الشعبي أيضاً عبارة "مشتهي ومستحي"، أستعيرها هنا لأنها تختزل الكثير من ثقافات الانسلاخ والتحضّر والعيب، قضايا لا يمكن فصلها عن ارتفاعات أسعار مواد غذائية تعتمد على صناعات تحويلية بسيطة يمكن لأيّ أسرة أن تُتقنها كما أتقنها الإغريق منذ آلاف السنين. الريف عندنا والفقر صنوان، الريف الذي يبدو فيه السَّخَط من تصاعد وتيرة الأسعار أكثر وضوحاً. إنّها مغالطة غريبة!
ماذا عسانا أن نفعل ونحن نغوص في شراهة الاستهلاك، وتُثقلنا الديون كأفرادٍ وحكومات؟ هل سَتُعيدنا هذه الأزمات القويّة إلى حالة الإنتاج، وإلى التغيير الفعلي في السلوك؟ إلى متى نشتهي التعديل في نهجنا، وفي الوقت ذاته نستحي من البدء فيه؟




  • 1 Fayez Al Manaseer 15-07-2019 | 03:10 PM

    أبدعت أيها الأديب

  • 2 Fayez Al Manaseer 15-07-2019 | 03:10 PM

    أبدعت أيها الأديب


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :