facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قامة قمح ومنجل


11-05-2010 01:16 PM

حتى لو أصبح (الكورن فلكس) طعاماً ليناً طريا للبعض منا، فالقمح ما زال وسيظل أباً وسيداً لطعامنا، نحن أبناء الأرض، لكنه كان بالمشقة يُزرع، وبالكد يُحصد، وبالضنك يُرجد (تجمع سنابله إلى البيادر)، وبالصبر يُدرس ويطحن. فرائحة الخبز كانت وما تزال تستحق كل هذا الشقاء، الخبز سيبقى جديراً بالتعب، فأهلاً بأيام الحصيدة!!.

في منتصف كل أيار، وفي مثل هذه الأيام، كان الحصادون لا ينظرون أمامهم؛ إلى قامات القمح المنحنية بالخير، كي لا يرعبهم بحر الذهب المتلاطم، بل كانوا ينحنيون ويندغمون بأمهم الأرض، ويوغلون بالحصيدة بكل صبر وجد، والشمس تصب سياطها فوق ظهورهم، فيستعينون بالغناء على هذا العناء!، فتارة يرندحون مواويلهم وعتاباتهم إلى محبوباتهم ذوات الجدائل السود والقدود، وتارة يترنمون فخراً بمناجلهم:(منجلي ومن جلاه؟!/ راح للصّايغ جلاه/ وما جلاه إلاّ بعلبه/ يا ليت الحُبة عزاه)، والصايغ هو الذي يسن المنجل ويمضيه، والعلبة كمية كبيرة من القمح!!.

أجدادنا الحصادون، وعندما كانت تشتد عليهم (حنانية الشوب) وتغرقهم بعرقهم، كانوا لا يلوذون إلى ظل ظليل، لأنه لا ظل في الحقول، بل كانوا يجمعون القش، ويشعلونه ناراً عالية يسمونها (نار الحصيدة)، وما هي إلا دقائق معدودة حتى تهب نسمات الهواء، ويتحرك الجو جالباً الانتعاش اللذيذ للحصّادين، وهذا اختراع بديع لأجدادنا، وهو صحيح من الناحية العلمية، فالنار تسخِّنُ الهواء، فتقل كثافته؛ فيرتفع إلى أعلى؛ ويحلُّ مكانه هواء أبرد، وهكذا، فكأنهم أداروا مروحة، فتنعشهم قليلاً؛ ليعودوا لمناجلهم أكثر نشاطاً: فرحمة الله على أجدادنا الطيبين!!.

وقبيل نهاية يوم حصاد طويل، كانت تختلط قطرات العرق البارقة بعجاج التراب، فتتشيطن المناجل في القبضات الخشنة، وتلتهم قامات القمح فيما هزهزة أهزوجة النهاية تثير فيهم اندفاعا عظيماً: (والغزالة زارتهُ/ زارتهُ واختارته/ قالت: جرني يا مختار/ جرني من عذاب النار)، فيأتي الصدى:(روحي والله جارك/ روحي اطعم صغارك).

ربما لم تعد هناك أيام للحصيدة أو ما يحزنزن، لأننا لم نعد نزرع قمحنا، وصرنا نعتمد على بركات أمنا أمريكيا، فبما سهول حوران، الممتدة على مدى العين، والتي كانت سلة خبز الامبرطورية الرومانية، لا تزرع الآن إلا بالخواء، فمتى نأكل مما نزرع؟!، متى؟!: وكل حصيدة وأنتم بخير.

ramzi972@hotmail.com





  • 1 سامي خصاونة 11-05-2010 | 01:27 PM

    تسلم يا صاحب الكلمة الرشيقة
    واللغة الأنيقة
    يا ابن الأرض الطيبة

  • 2 مبارك 11-05-2010 | 01:35 PM

    تحية للكاتب الرائع فشكرا لعموون على اختيارها هذه المقاله

  • 3 د. خ 11-05-2010 | 02:25 PM

    اشكرك على المقالة الرائعة المعنى رجعتنا فيها لايام الطفولة فانا من الناس اللي لحقوا هذيك الايام بتذكر كنا نلعب حول الحصادين جدي واهلي رغم انو لم نكن حصد بس كنا نلعب بالحقول وماخذينها تسلاية بس كانت ايام رائعة

  • 4 مريم 11-05-2010 | 02:35 PM

    مدهش كاتب مدهش
    احترم نظرتك وفكرك
    تحية محبة

  • 5 د. عدنان مساعده 11-05-2010 | 02:57 PM

    شكرا للكاتب المبدع دائما، الارض عنوان كبير كبير ولا يمكن الحصول على مكنونها الذهبي الا بالجهد والتعب فهل هناك من عودة الى الأرض بعد أن هجرناها وما زالت تنادي وتقول كفى عقوقا وايها الابناء عودو الي؟!

  • 6 The new jordanians 11-05-2010 | 03:15 PM

    اة يا رائع لقد ذكرتنا في ايام الحصيدة الاهبة, مع انة حصيدة يوم تعادل تياسة سنة الا انها ايام مباركة حيث كانت حياة الفلاحين وافراحاهم وحل مشاكله مرهونة بهذا الموسم الاهب. اما اليوم فاصبحنا مرهونين بصناع الجوع والفقر ليطعمونا ويسقونا.

  • 7 رنا عبيدات 11-05-2010 | 04:13 PM

    اشكرك و احييك على العنوان و المضمون..سنابل و حصاد و بيدر هي ايام جدي الراحل الخالد..اغرورقت عيناي بالدموع شوقا لذلك الانسان الرائع.


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :