اسكتلندي فقير يصبح أغنى رجل في العالم قبل أن يتنازل عن ثروته
01-01-2026 09:09 PM
عمون - بطموحه الجامح وذكائه الحاد ودهائه، ترك أندرو كارنيجي حياة الفقر المدقع في موطنه اسكتلندا وهو في الثانية عشرة من عمره ليبدأ حياة جديدة في أميركا.
على الرغم من أصوله المتواضعة، أصبح كارنيجي أغنى رجل في العالم في مجده. وعلى عكس بعض أقطاب الأعمال الآخرين في العصر الذهبي، كان كارنيجي كريماً بقدر نجاحه، إذ تبرع بثروته كاملة.
ولد أندرو كارنيجي في 25 نوفمبر 1835 في منزل متواضع مكون من طابقين في شارع مودي بمدينة دنفرملاين، اسكتلندا، ابناً لنساج يدوي لأقمشة الكتان الدمشقية الفاخرة يدعى ويليام، وله أشقاء ثلاثة يكبرهم جميعاً.
عند ولادة أندرو، كانت مهارات والده في النسيج مطلوبة بشدة، إذ كانت الولايات المتحدة قد ألغت مؤخراً جميع الرسوم الجمركية على منتجات الكتان، وفقاً لما ذكرته "Business Insider"، واطلعت عليه "العربية Business".
نتيجة لذلك، انتقل ويليام عام 1836 مع زوجته مارغريت وابنه إلى منزل أكبر قليلاً، واشترى عدة أنوال إضافية.
ضائقة اقتصادية شديدة
ثروة العائلة المالية لم تدم طويلاً. فقد أدى الذعر الاقتصادي الأميركي عام 1837، وما تلاه من إعادة فرض الرسوم الجمركية، إلى انخفاض الطلب الأميركي على الكتان الاسكتلندي الفاخر. كما أن تسارع وتيرة الثورة الصناعية، جعل المصانع التي تنتج الكتان باستخدام الأنوال البخارية تنافس النساجين الاسكتلنديين يدوياً بقوة.
سرعان ما وجدت عائلة كارنيجي نفسها في ضائقة اقتصادية شديدة. في أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر، ما اضطرهم للعودة إلى كوخ صغير مرة أخرى.
بينما كان ويليام يفتقر إلى الفطنة التجارية، كانت مارغريت، ذات الحيلة، رائدة أعمال بالفطرة، وهي ميزة ورثتها بوضوح لابنها الأكبر. ولتأمين لقمة العيش، لجأت إلى بيع الحلويات والخضراوات والفطائر في "متجر حلويات" مؤقت، كانت تديره من منزل العائلة.
كما بدأت في إصلاح الأحذية، وهي مهارة علمها إياها والدها صانع الأحذية، وانتهى بها المطاف لتصبح المعيلة الرئيسية للأسرة.
برزت مهارات أندرو كارنيجي الريادية منذ صغره. حيث موّل بذكاء هوايته في تربية الأرانب والحمام بتسمية كل حيوان بأسماء أصدقائه الذين كانوا يطعمونها. وبحلول سن العاشرة، كان يدير حسابات متجر البقالة الخاص بوالدته.
لم يتلق كارنيجي سوى القليل من التعليم الرسمي، والتحق بمدرسته المحلية لبضع سنوات فقط. على الرغم من ذلك، اكتسب قطب الأعمال المستقبلي مهارات جيدة في الحساب والقراءة والكتابة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فبمساعدة خاله، الناشط السياسي جورج لودر الأب، نما لديه حب عميق للكتب، وطور ذاكرة ممتازة.
أدى الفقر المدقع الذي عانت منه عائلة كارنيجي - حيث كانوا ينامون باكراً في كثير من الأحيان "لنسيان بؤس الجوع"، كما يقول أندرو - إلى اتخاذ ويليام ومارغريت قراراً صعباً بالهجرة مع ابنيهما إلى الولايات المتحدة.
السفر إلى أميركا
وبعد معاناة خلال شتاء 1847-1848، باع الزوجان ممتلكاتهما وآخر ما تبقى لديهما من أنوال، واقترضا ما استطاعا لتوفير المال اللازم للسفر إلى أميركا في رحلة استغرقت 3 أشهر تقريباً.
استقروا في غرفتين فوق متجر نساج محلي، وبذل ويليام قصارى جهده لإعالة زوجته وابنيه (أحد أشقائه توفى طفلاً صغيراً) من خلال نسج مفارش المائدة، التي كان يبيعها بالتجوال.
لكن مشروعه فشل فشلاً ذريعاً. ومرة أخرى، كانت مارغريت هي من استطاعت إعالة الأسرة، حيث كانت تكسب حوالي 4 دولارات أسبوعياً (ما يعادل 155 دولاراً اليوم) من إصلاح الأحذية.
حصل أندرو على وظيفة عامل لفّ البكرات في مصانع أنكور للقطن، المملوكة لشركة اسكتلندية، في بيتسبرغ، وكان يعمل 12 ساعة يومياً، 6 أيام في الأسبوع، في عمل مرهق. لم يكن يتقاضى سوى 1.20 دولاراً أسبوعياً.
بينما عمل ويليام مع ابنه في المصنع لفترة وجيزة، لكنه تركه في النهاية ليعود إلى عمله في النول، مما زاد من الضغط المالي على الأسرة.
لحسن الحظ، لفت الشاب كارنيجي انتباه جون هاي، صانع البكرات الاسكتلندي، الذي وظفه لتشغيل محرك البخار وتسخين المرجل في مصنعه، وكان يدفع للمراهق دولارين أسبوعياً، أي ما يعادل حوالي 78 دولاراً في عام 2024.
لكن العمل كان شاقاً وخطيراً، وكشف كارنيجي في أواخر حياته أنه كان يعاني من كوابيس متكررة حول انفجار المرجل.
بعد عام، حصل كارنيجي على وظيفة ساعي بريد في شركة أورايلي للتلغراف، وهي فرصة أسعدته للغاية، وكما ورد في سيرته الذاتية، "رفعته إلى عالم من السعادة".
كان يتقاضى 2.50 دولاراً أسبوعياً (ما يعادل 100 دولار اليوم)، واستغل ذاكرته القوية لحفظ مواقع أهم الشركات في بيتسبرغ، وأقام العديد من العلاقات التي ستُفيده لاحقاً في مسيرته المهنية.
كما أصبح كارنيجي من أوائل الأميركيين القادرين على فك رموز رسائل التلغراف بالاستماع، وفي يونيو 1851، رُقّي إلى وظيفة مشغل بديل. كان يتقاضى 4 دولارات أسبوعياً، وهو نفس دخل والدته.
كان الشاب الطموح، المتلهف لتطوير معارفه، يعوض افتقاره للتعليم النظامي بالتردد بانتظام على مكتبة الكولونيل جيمس أندرسون العامة، حيث تعلم بنفسه مواضيع متنوعة.
في عام 1852، أصبح كارنيجي مساعداً لمشغل قطارات براتب 5.77 دولاراً أسبوعياً (ما يعادل حوالي 230 دولاراً اليوم)، مما جعله المعيل الرئيسي لأسرته. وبحلول سن السادسة عشرة، رُقّي إلى مشغل قطارات بدوام كامل. ثم انتقل للعمل في شركة سكة حديد بنسلفانيا براتب 8.08 دولاراً أسبوعياً.
أثبت كارنيجي أنه موظف مثالي، وأبهر رئيسه بمهاراته وفطنته. بدوره، بذل مديره سكوت جهداً كبيراً في رعاية تلميذه. بل إن سكوت هو من بادر بأول استثمار لكارنيجي عندما أخبره عام 1856 عن بيع وشيك لعشرة أسهم في شركة آدامز إكسبرس الاستثمارية. أقنع كارنيجي والدته برهن منزل العائلة واشترى الأسهم مقابل 500 دولار.
مع ازدهار صناعة السكك الحديدية، بدأت الأرباح تتدفق. إضافةً إلى ذلك، في عام 1858، حرص سكوت على تخصيص ثمن شركة تصنيع عربات النوم لكارنيجي، الذي اقترض من البنك 1,250 دولاراً، أي ما يعادل 47,000 دولار اليوم، لتمويل عملية الشراء. أعاد كارنيجي استثمار أرباحه، وقام أيضاً بعدة استثمارات مربحة أخرى في تلك الفترة.
في عام 1859، عرض سكوت، الذي كان قد ارتقى ليصبح نائب رئيس شركة سكك حديد بنسلفانيا، على كارنيجي منصب مدير القسم الغربي. قبل أندرو العرض وحصل على راتب سنوي قدره 1,500 دولار.
تمكن كارنيجي من دعم عائلته بشكل أكبر من خلال توفير وظائف لهم. عيّن شقيقه توماس، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، مساعداً شخصياً له، كما رتّب وظيفة لابنة عمه ماريا هوجان، التي أصبحت أول امرأة أميركية تعمل مشغلة تلغراف.
بحلول عام 1860، كان كارنيجي قد سدّد قرض البنك باستخدام الأرباح التي حصل عليها، وكان استثماره في شركة عربات النوم يُدرّ عليه ما يزيد قليلاً عن 5000 دولار سنوياً.
اندلعت الحرب الأهلية الأميركية عام 1861. نُقل كارنيجي إلى وزارة الحرب وكُلّف بتنظيم خدمة التلغراف العسكري ونقل الإمدادات بالسكك الحديدية إلى قوات الاتحاد.
وخلال هذه الفترة، واصل استثماراته المُربحة، بما في ذلك في صناعتي الصلب والنفط.
تفرغ للمسيرة الاستثمارية
بعد انتهاء الحرب الأهلية في أبريل 1865، استقال كارنيجي من شركة سكك حديد بنسلفانيا ليتفرغ لمسيرته الاستثمارية. كما ترك منصبه ليتولى إدارة شركته الناشئة في مجال صناعة الحديد، شركة كيستون بريدج، التي اشتهرت ببناء جسر إيدز في سانت لويس.
في أوائل الثلاثينيات من عمره، كان كارنيجي يجني أرباحاً طائلة، بعد أن استثمر في كل شيء من السكك الحديدية ومصانع الحديد إلى السفن البخارية وآبار النفط. كانت مشاريعه التجارية المتنوعة تدر عليه حوالي 50,000 دولار سنوياً.
مع ذلك، قرر كارنيجي التركيز على صناعة الحديد، وأسس سلسلة من المصانع التي حققت أرباحاً طائلة من خلال توريد المعدن للسكك الحديدية والجسور ومشاريع البنية التحتية الأخرى. لكن زيارته إلى لندن عام 1872 كانت بمثابة الشرارة التي أطلقت مسيرته نحو تحقيق أرباح طائلة.
خلال رحلته، التقى كارنيجي بهنري بسمر، الذي طور عملية لإنتاج الصلب بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة. وإدراكاً منه أن الصلب، وليس الحديد، هو مستقبل الصناعة، أسس شركة كارنيجي، ماكاندليس وشركاه لتصنيع قضبان الصلب عام 1873، وافتتح أول مصنع للصلب تابع للشركة في العام التالي.
خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن التاسع عشر، استغل كارنيجي الركود الاقتصادي للاستحواذ على مصانع وموردي المواد الخام المنافسة اللازمة لصناعة الصلب، وكان رائداً في التكامل الأفقي والرأسي. وبفضل نظام إدارته عالي الكفاءة، تمكنت شركته من إقصاء أي منافسين متبقين. وبحلول عام 1878، بلغت قيمة شركة كارنيجي 1.25 مليون دولار (ما يعادل 39 مليون دولار اليوم). كان يمتلك ما يقارب ثلثي أسهم الشركة (59%).
في عام 1881، عيّن كارنيجي الصناعي هنري كلاي فريك مسؤولاً عن عمليات شركته، وحصل على حصة مسيطرة في إمبراطورية فريك لإنتاج فحم الكوك.
وبعد عامين، استحوذ قطب الأعمال الاسكتلندي على أكبر منافسي شركته، شركة "هومستيد ستيل ووركس"، مما عزز سيطرته على صناعة الصلب الأميركية المزدهرة.
في عام 1886، حلّت فاجعة بوفاة والدة كارنيجي الحبيبة، مارغريت، وشقيقه توماس، في غضون أسابيع قليلة.
في العام التالي، عقد قطب الأعمال، الذي يُقال إنه كان شديد التعلق بوالدته لدرجة أنه رفض الزواج في حياتها، قرانه على لويز ويتفيلد. وقّعت عروس كارنيجي اتفاقية ما قبل الزواج تؤكد التزام زوجها الجديد بالتبرع بمعظم ثروته خلال حياته.
بحلول عام 1889، تجاوز إنتاج الصلب في أميركا نظيره في المملكة المتحدة، وبما أن كارنيجي كان يسيطر على معظمه، فقد أصبح من أثرى أثرياء البلاد.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، كتب الصناعي المحب للخير مقالاً بعنوان "إنجيل الثروة"، جادل فيه بأن على الأثرياء التبرع بمعظم أموالهم لصالح المجتمع. وقد أكسبه هذا، إلى جانب دعمه للنقابات العمالية وحقوق العمال، الذي دافع عنه بشدة في مقال نُشر عام 1886، إشادة عالمية.
إلا أن سمعة كارنيجي اللامعة تلطخت عام 1892، وهو العام الذي أسس فيه شركة كارنيجي للصلب. بدأت المشكلة عندما قُمعت إضرابات عمال مصانع هومستيد للصلب بوحشية بعد 143 يوماً على يد رئيس عملياته المناهض للنقابات بشدة، هنري كلاي فريك.
أسفر ذلك عن مقتل 12 شخصاً، وعلى الرغم من أن كارنيجي كان في اسكتلندا آنذاك ولم يكن متورطاً بشكل مباشر، إلا أن الكثيرين حمّلوه في نهاية المطاف مسؤولية العنف.
في عام 1897، رُزق كارنيجي وزوجته لويز بمولودتهما الوحيدة، مارغريت، التي سُميت تيمناً بوالدة قطب الأعمال.
في العام التالي، اشترى قلعة سكيبو في المرتفعات الاسكتلندية، وأنفق ملايين الدولارات على ترميمها. كما أمر ببناء قصر فخم في مانهاتن، اكتمل بناؤه عام 1902، ويُستخدم الآن كمتحف كوبر هيويت للتصميم التابع لمؤسسة سميثسونيان.
في عام 1901، باع كارنيجي شركته للصلب التي تحمل اسمه إلى الممول جيه بي مورغان مقابل 480 مليون دولار، أي ما يعادل 17.4 مليار دولار بقيمة اليوم.
ثروة ضخمة
ووفقاً لمؤسسة كارنيجي في نيويورك، بلغت ثروته الصافية في ذروتها ما يعادل 375 مليار دولار اليوم، ما كان سيجعله بسهولة أغنى شخص في العالم، لولا أن جون د. روكفلر تفوق عليه في نهاية المطاف.
اندمجت الشركة لاحقاً مع شركات فولاذ أخرى لتُصبح شركة "يو إس ستيل".
بعد البيع، اعتزل كارنيجي العمل، مُكرّساً نفسه بالكامل لتوزيع ثروته الطائلة. وتركزت أعماله الخيرية بشكل أساسي على دعم التعليم والسلام العالمي.
في المجمل، موّل كارنيجي 2509 مكتبة حول العالم، ودعم العديد من المؤسسات التي تحمل اسمه، بما في ذلك متاحف كارنيجي في بيتسبرغ، وجامعة كارنيجي ميلون، ومؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، ومؤسسة كارنيجي للنهوض بالتعليم.
عندما وافته المنية في أغسطس 1919 عن عمر ناهز 83 عاماً، كان كارنيجي قد تبرع بمعظم ثروته. وقد خصص المبلغ المتبقي، وقدره 135 مليون دولار، والذي يعادل 2.4 مليار دولار اليوم، لمؤسسة كارنيجي في نيويورك.
يعتبر كارنيجي، الذي غالباً ما يُنظر إليه على أنه أحد أعظم فاعلي الخير في العالم، مشهوراً بمقولته الشهيرة: "من يموت غنياً يموت مخزياً".