تجربتنا في "التحول الرقمي" حين تتحول الرؤية إلى واقع حكومي ناضج
فيصل تايه
05-01-2026 10:58 AM
لطالما استهواني كل ما يتصل بالعالم الرقمي ، لا بوصفه "موضة العصر" أو تحديثاً تقنياً عابراً ، بل باعتباره مساراً حتمياُ يعيد تشكيل طريقة تفكيرنا، وعملنا، وتعاطينا مع الدولة والخدمة العامة ، وبحكم تخصصي العالي في مجالات التعلم الرقمي والتحول التكنولوجي، أتابع عن قرب مؤشرات التقدم، وأقرأ التقارير الدولية بوصفها مرآة تعكس عمق التحولات التي تمر بها الدول والمجتمعات ، ومن هذا المنطلق، لا يمكن المرور مرور الكرام على ما حققه الأردن مؤخراً في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية الصادر عن البنك الدولي، حيث ارتقى إلى المرتبة الحادية والعشرين عالمياً ، والرابعة عربياً ، ضمن أعلى فئات النضج الرقمي الحكومي.
هذا التقدم، في جوهره، ليس قفزة مفاجئة ولا نتيجة جهد ظرفي، بل ثمرة مسار تراكمي طويل قامت فيه الدولة الأردنية، بمؤسساتها المختلفة، بعمل هادئ ومنهجي لإعادة تعريف مفهوم الخدمة العامة، وتحويل الحكومة من كيان إجرائي تقليدي إلى منصة رقمية أكثر قرباً من المواطن، وأكثر قدرة على الاستجابة لتغيرات العصر ، من يتابع هذا الملف عن كثب يدرك أن التحول الرقمي في الأردن لم يبن على منطق "رقمنة الورق"، بل على إعادة هندسة الإجراءات، وتبسيط المسارات، وتغيير الثقافة المؤسسية ذاتها، وهو ما يفسر ارتفاع ترتيب المملكة في مختلف محاور المؤشر، سواء على مستوى البنية التحتية الرقمية، أو الخدمات الحكومية الإلكترونية، أو التفاعل الرقمي مع المواطنين، أو البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة.
ما يلفت الانتباه حقاً أن هذا التقدم لم يبق حبيس التقارير، بل انعكس بصورة ملموسة على حياة الناس اليومية ، فحين يستطيع المواطن إنجاز معاملته من هاتفه المحمول، أو توثيق هويته رقمياً ، أو الوصول إلى خدمة حكومية دون الوقوف في طوابير أو التنقل بين الدوائر، فإننا أمام تحول حقيقي في مفهوم العلاقة بين الدولة والمجتمع ، فتفعيل الهويات الرقمية لمئات الآلاف، وتوسيع نطاق الخدمات الحكومية المتاحة إلكترونيًا، والوصول إلى نسب متقدمة في رقمنة الخدمات، كلها مؤشرات على أن التحول الرقمي في الأردن بات واقعاِ معاشاً لا خطاباً إنشائياً .
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المحوري الذي اضطلعت به وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، بوصفها العقل المنظم لهذا التحول، وصاحبة الرؤية التي تربط بين الرقمنة والتنمية الاقتصادية، وبين التكنولوجيا وجودة الحياة ، فالتحول الرقمي، كما أثبتت التجارب العالمية، لا ينجح حين يدار كملف تقني معزول، بل حين ينظر إليه كسياسة عامة متكاملة تمس التعليم، والصحة، والاستثمار، والإدارة العامة، وبناء القدرات البشرية ، وهذا ما يبدو واضحاً في التجربة الأردنية، حيث اقترنت الرقمنة بتطوير التشريعات، وبناء المهارات الرقمية، وتحفيز الابتكار، وفتح المجال أمام الشراكة مع القطاع الخاص.
من زاوية التعلم الرقمي، يهمني التأكيد على أن هذا التقدم يضع مسؤولية موازية على المواطن، لا تقل أهمية عن مسؤولية الحكومة ، فالتحول الرقمي لا يكتمل ما لم يتحول المستخدم نفسه من متلق سلبي إلى شريك واع ، قادر على التفاعل مع المنصات الرقمية، وتبني أنماط جديدة من التعلم والعمل والتعامل ، فالمستقبل، كما تشير كل المؤشرات، سيكون أقل تسامحاً مع النماذج التقليدية، وأكثر انحيازاً للمرونة، والمهارة، والقدرة على التكيف، وهو ما يجعل من التحول الرقمي خياراً وجودياً ورقياً إدارياً .
إن ما حققه الأردن في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية ليس نهاية الطريق، بل علامة فارقة تؤكد أن الاتجاه صحيح، وأن الاستثمار في الرقمنة هو استثمار في الثقة، والكفاءة، والشفافية، والعدالة في الوصول إلى الخدمات ، وهو إنجاز يستحق الإشادة، لا من باب المجاملة، بل من باب الإنصاف لتجربة وطنية أثبتت أن الدول، مهما كانت مواردها محدودة، تستطيع أن تنافس عالمياً حين تمتلك رؤية واضحة، وإرادة سياسية، وعقولاً قادرة على تحويل التكنولوجيا إلى أداة لخدمة الإنسان.
بهذا المعنى، يمكن القول بثقة إن الأردن لا يلاحق المستقبل الرقمي، بل يخطو نحوه بخطى ثابتة، مستنداً إلى تجربة تتشكل بهدوء، وتكبر بثبات، وتستحق أن تقرأ بوصفها نموذجاً أردنياً عربياً جاداً في التحول الرقمي الحكومي .
والله الموفق