من التعليم التقليدي إلى التعليم عن بُعد: قراءة في لحظات التحول وأسباب الإخفاق
د. مأمون سليمان
08-01-2026 01:21 PM
في 11 آذار 2020، بدأت ملامح التحول الجذري في المنظومة التعليمية العالمية، حين أُعلن رسميًا أن جائحة كورونا أصبحت وباءً عالميًا. ومنذ تلك اللحظة، تحولت المدارس والجامعات والمعاهد إلى الفضاء الإلكتروني، في واحدة من أسرع عمليات التحول في تاريخ التعليم الحديث.
اللافت أن البنية التحتية التقنية كانت جاهزة إلى حدٍّ كبير، في كثير من المؤسسات التعليمية الجامعية، وهو ما جعل عملية الانتقال من التعليم التقليدي إلى التعليم عن بُعد تبدو في ظاهرها مرنة وسلسة. غير أن استدامة هذا التحول لم تتحقق، رغم أن التعليم الإلكتروني يمتلك مميزات لا تُحصى، من حيث المرونة، وتنوع مصادر المعرفة، وإمكانية الوصول للجميع.
ومع مرور الوقت، أدركنا أن فشل استدامة تجربة التعليم عن بُعد لم يكن بسبب التكنولوجيا أو الأدوات، بل بسبب العامل البشري، وأن جميع الأطراف التعليمية- من مؤسسات ومعلمين وطلاب- كانوا شركاء في هذا الإخفاق، وإن بدرجات متفاوتة.
فـالمؤسسات الأكاديمية العليا رأت في التعليم عن بُعد فرصة لتوسيع قاعدة المستفيدين، معتبرة أن جوهر التعليم هو عدد الطلاب المسجلين، لا جودة العملية التعليمية ذاتها. فامتلأت الفصول الافتراضية بأعداد وصلت إلى 100- 150 طالب، وازداد العبء التدريسي على المعلم حتى بلغت حصصه اليومية ست أو سبع شعب. وبهذا، غابت أهم ركائز التعليم: التغذية الراجعة التي تمنح الطلاب الفهم والدافعية، وأصبح التعليم أقرب إلى بثٍّ من طرف واحد.
أما المعلمون، فقد ساهم بعضهم من حيث لا يدري في تعميق الفجوة، حين اكتفوا بنقل المنهاج التقليدي إلى المنصات الإلكترونية دون تعديل أو تطوير، ولم يُغيّروا في أدوات التقييم أو أساليب القياس، مما أحدث فوضى في المناهج ونتائج غير دقيقة لا تعكس واقع تعلم الطلاب.
وأما الطلاب، فكانوا الحلقة الأكثر تأثيرًا، والأضعف التزامًا في الوقت نفسه. إذ غاب كثير منهم عن جوهر الدرس، وتحوّل الحضور إلى إجراء شكلي، وظهرت ظواهر جديدة مثل الغياب الذهني أثناء الدرس والغش الإلكتروني عبر مجموعات التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، ما زلتُ أؤمن أن التعليم عن بُعد لم يفشل بحد ذاته، بل أُسيء تطبيقه، وأنه ما زال قادرًا على أن يكون نمطًا مستدامًا ومكملًا للتعليم التقليدي، إذا ما أُعيد النظر في أسسه وفق ضوابط واضحة، أهمها:
1.تقليل عدد الطلاب في الصفوف الافتراضية، ليتمكن المعلم من المتابعة الدقيقة وتعويض غياب التواصل المباشر.
2.بناء مناهج تعليمية متكاملة صُممت خصيصًا للتعليم الإلكتروني، لا مجرد نقل مناهج تقليدية إلى بيئة رقمية.
3.تطوير أدوات تقييم تحليلية تقيس مهارات التفكير والفهم، مع إمكانية عقد الامتحانات حضوريًا لضمان النزاهة الأكاديمية.
4.تحفيز الطلاب على الفاعلية والانخراط في بيئة التعلم، وإعادة تعريف هدف التعليم على أنه طلب العلم والمعرفة لا مجرد الحصول على الشهادة.
في الختام، يظل التعليم عن بُعد فرصة حقيقية لإعادة صياغة مفهوم التعليم نفسه، لا بوصفه استجابة ظرفية لأزمة، بل بوصفه خيارًا استراتيجيًا نحو تعليم مستدام، مرن، وإنساني في آنٍ واحد.