النمر في الغرفة .. والذكاء الاصطناعي
د. صالح سليم الحموري
10-01-2026 10:33 AM
لم يكن في الأمر ما يدعو للقلق… في البداية. كان شِبلًا صغيرًا بحجم حقيبة يد، بعينين لامعتين توحيان أنه يفهم أكثر مما ينبغي. فروه ناعم، وخطوطه البرتقالية كأنها مرسومة بعناية على جلد حيّ. وحين وضعه الرجل على أرض الصالون تردد لحظة، ثم اندفع يركض حول الطاولة، يطارد ظلَّه، ويقفز فوق السجادة بخفة طفل لا يعرف من الحياة إلا اللعب.
ضحك الجميع. قال أحدهم بدهشة: «يا له من شيء جميل… كيف خطر لك أن تُربي نمرًا؟» ابتسم الرجل بثقة وقال: «إنه شِبل فقط… وسأُحسن تربيته.» ومنذ ذلك اليوم صار الشبل جزءًا من البيت: في الصور، في الأحاديث، وفي تلك البدايات التي نحبها لأن نهايتها لا تزال مخفية.
مرّت الأيام، وكان الشبل “مفيدًا” أكثر مما توقعوا. لم يعد مجرد حكاية للضيوف؛ صار يرتب الأوراق المبعثرة، يدلّهم على الأشياء المفقودة، ويلتقط الإشارات الصغيرة التي يغفلون عنها. وكلما فعل شيئًا مدهشًا امتلأت الغرفة بالانبهار بدل الحذر؛ فالانبهار يملك قدرة عجيبة على إلغاء الأسئلة.
في إحدى الليالي جلس الرجل وحده والشبل عند قدميه. مرّر يده على رأسه بحنان وتمتم: «ما دام صغيرًا هكذا، فلا خوف.» ثم توقف فجأة، لأنه تذكر حقيقة بسيطة: الشبل لا يبقى شبلًا. سيكبر. وسيتحوّل اللطف إلى قوة، والقوة إلى اختبار. المشكلة لم تكن في نومه على السجاد، بل في الصورة التي تلوح في المستقبل: صالون صغير… ونمر بالغ… وبشر يطلبون منه بأدب: "لو سمحت، لا تؤذنا".
في صباح اليوم التالي حاول الرجل فتح الموضوع على الإفطار: «نحن نعرف أنه سيكبر… صحيح؟» ساد صمت خفيف، ذلك الصمت الذي يمرّ فيه “النمر الحقيقي” بين الكلمات. قالت ابنته لتخفيف الجو: «لا تقلق… سننتبه» وقال ابنه: «لا تفكر كثيرًا… هذا شبل، ليس وحشًا.» وضحك ابنه الاخر: «حتى لو كبر… سنتعود عليه.» نظر الرجل إلى الشبل؛ كان يأكل بهدوء… لا يبدو شريرًا، فقط يبدو واثقًا.
وفي المساء جاء عم الأولاد والذي يعتبر حكيم العائلة، نظر إلى الشبل ثم قال كحجرٍ يسقط في الماء: «لديكم خياران فقط: إما أن تتخلّصوا منه الآن، أو تتأكدوا أنكم تُربّونه بطريقة تمنع النمر القادم من اعتباركم فريسة.» اعترضوا: «مستحيل! هو مفيد وجميل ونحن نحتاجه.» هز الرجل رأسه: «إذن ربّوه تربية مختلفة. المشكلة ليست في الطعام ولا التدريب، بل في قيمه الأساسية: كيف تضمنون أن القوة القادمة ستكون في صفكم؟»
تلك الليلة لم ينم الرجل سريعًا. فكر في البيوت التي تُغلق نوافذها خوفًا بينما الخطر ينمو داخل الجدران بهدوء، وفي الناس الذين يهربون من السؤال الكبير إلى تفاصيل صغيرة… ويتركون الأهم بلا إجابة. وفكر أيضًا في ثمن اللامبالاة حين تتحول إلى “عرف” يتوارثه الجميع: لا تسأل، لا تُحرج، لا تفتح ما يُقلق.
ومع الأسابيع كبر الشبل قليلًا: قفزاته أعلى، نظرته أثبت، ولعبه أثقل. وكلما قال أحدهم «لا يزال لطيفًا» تردد في رأس الرجل: لأنه لا يزال شبلًا.
هكذا يبدو الذكاء الاصطناعي اليوم: شِبلٌ لطيف، محبوب، ومفيد. لكننا نعرف أنه سينمو، وأن القوة إذا كبرت بلا ضوابط قد تنقلب خطرًا… حتى من دون نية سيئة. وتربيته لا تعني الإعجاب به ولا الاعتماد عليه فقط، بل تعني وضع قواعد قبل الانتشار: اختبارات أمان صارمة، شفافية في القدرات والحدود، ضوابط للاستخدام، وحوكمة تمنع احتكار القوة أو توجيهها ضد الإنسان. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحب الشبل؟ بل: هل سنكتب قوانين البيت من الآن، ونزرع قيمه قبل أن تفرض قوته قيمًا جديدة علينا؟ لأن البيت الذي يتأخر في تسمية النمر… قد يستيقظ يومًا ليكتشف أن الغرفة لم تعد غرفته.