الضمان الاجتماعي: رؤية مواطن قلق لا خبير في إدارة المخاطر المالية
كابتن أسامة شقمان
26-02-2026 12:24 PM
لست خبيراً في علم – الاكتواريا - وهو - علم حساب المخاطر المالية -، ولا متخصصاً في إدارة أنظمة التقاعد، لكنني كمواطن أتابع ملف الضمان الاجتماعي بقلق مشروع. فالضمان في الأردن ليس مجرد مؤسسة رسمية؛ بل هو صمام الأمان الاقتصادي لمئات الآلاف من الأسر، وركيزة استقرار اجتماعي تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
وحين نتحدث عن مؤسسة بحجم المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي التي تدير حقوق ما يزيد على مليون ونصف مشترك فعّال ومئات آلاف المتقاعدين، فإن أي تعديل في قواعدها يجب أن يُبنى على أسس واضحة ومعلنة، لا على تقديرات عامة أو رسائل مطمئنة غير مسندة بأرقام منشورة.
أولاً: المشكلة الحقيقية ليست في السن… بل في الحوكمة
النقاش العام غالباً ما يتركز حول رفع سن التقاعد أو زيادة عدد الاشتراكات باعتبارهما الحل الأسهل لتعزيز الاستدامة. لكن من وجهة نظري المتواضعة، المشكلة الأعمق لا تكمن في أعمار الناس ولا في سنوات خدمتهم، بل في بنية الإدارة نفسها.
إدارة الضمان اليوم تمر عبر أكثر من مرجعية:
الحكومة بصفتها السلطة التنفيذية
مجلس الإدارة
جهات رقابية
لجان فنية
أطر تشريعية متعددة
هذا التشابك يخلق ضبابية في المسؤولية، ويجعل من الصعب تحديد من يتحمل القرار ومن يُحاسب عليه.
المقترح الأول: توحيد المرجعية
أرى أن الحل يبدأ بإلغاء تعدد المرجعيات في إدارة كل ما يتعلق بالضمان، وإنشاء مرجعية واحدة مستقلة بالكامل، لا تخضع لأي تدخل حكومي مباشر، وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتُدار وفق معايير حوكمة صارمة، مع رقابة برلمانية علنية لا تنفيذية.
الاستقلال هنا لا يعني الانفصال عن الدولة، بل الحماية من التسييس.
ثانياً: أين تقف الاستثمارات فعلياً؟
الضمان ليس مجرد صندوق اشتراكات؛ بل هو أكبر مستثمر مؤسسي في البلاد من خلال ذراعه الاستثمارية، صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.
وهنا يبرز سؤال بسيط:
هل لدينا دراسة منشورة ومحدثة توضح بالتفصيل أداء كل استثمار؟
ما العائد الحقيقي على كل قطاع؟
ما نسبة المخاطر؟
ما حجم التركز في أدوات الدين الحكومي؟
هل هناك استثمارات منخفضة الجدوى تُستنزف دون مراجعة؟
المقترح الثاني: تدقيق استثماري شامل
أقترح ما يلي:
إعداد دراسة مستقلة وشاملة لكل استثمارات الضمان.
نشر تقرير تفصيلي يوضح:
الاستثمارات الرابحة والخاسرة
نسب العائد مقارنة بالمخاطر
كفاءة الإدارة الاستثمارية
معالجة أي خلل فوراً، بما يشمل:
إعادة هيكلة المحافظ الضعيفة
الخروج التدريجي من الاستثمارات غير المجدية
تنويع الأصول جغرافياً وقطاعياً
ربط مكافآت الإدارة الاستثمارية بمؤشرات أداء واضحة وشفافة.
الاستدامة لا تُبنى فقط من جيوب المشتركين، بل من حسن إدارة أموالهم.
ثالثاً: حلول لتعزيز الاستدامة دون رفع السن أو الاشتراكات
أؤمن أن هناك بدائل حقيقية لا تمس الحقوق الأساسية:
- ضبط التقاعد المبكر دون المساس بالسن القانوني
إعادة احتساب معامل التخفيض بطريقة عادلة اكتوارياً.
منع إساءة استخدام بعض المسارات الاستثنائية.
- توسيع قاعدة المشتركين عبر مكافحة التهرب
تعزيز التفتيش الإلكتروني.
ربط قواعد البيانات مع الجهات الضريبية.
فرض عقوبات حقيقية على التهرب التأميني.
زيادة عدد الملتزمين أهم من زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة.
- إصلاح هيكل الرواتب التقاعدية العالية
دراسة وضع سقوف أكثر عدالة للرواتب المرتفعة جداً.
تقليص الفجوة بين الحدين الأعلى والأدنى.
- تحسين إدارة السيولة
إدارة أفضل للتدفقات النقدية.
جدولة الاستحقاقات طويلة الأجل بكفاءة أكبر.
- نشر الدراسة الاكتوارية علناً
آخر دراسة اكتوارية معروفة هي الدراسة الحادية عشرة. يجب نشر تحديث فوري لها بعد أي تعديل تشريعي، مع:
سيناريوهات متعددة
تحليل حساسية
توضيح نقاط التعادل الجديدة
بدون ذلك، يبقى النقاش سياسياً لا مالياً.
رابعاً: الشفافية ليست ترفاً
حين تكون أموال المؤسسة اقتطاعات إلزامية من رواتب الناس، فإن الشفافية ليست خياراً.
يجب أن تكون البيانات التالية متاحة للعامة:
الأداء الاستثماري ربع السنوي
الالتزامات طويلة الأجل
الفجوة الاكتوارية إن وجدت
كلفة أي تعديل قبل إقراره
الثقة تُبنى بالأرقام، لا بالتصريحات.
خامساً: الضمان ملك للأجيال لا للحكومات
الضمان الاجتماعي ليس برنامجاً حكومياً مؤقتاً، بل عقداً اجتماعياً طويل الأمد.
وأي إدارة لهذا الملف بعقلية قصيرة المدى تُعرّض هذا العقد للاهتزاز.
أنا لست خبيراً، لكنني أؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من:
استقلال القرار
وحدة المرجعية
محاسبة واضحة
استثمار رشيد
شفافية كاملة
دون المساس بسن التقاعد القانوني، ودون زيادة عدد الاشتراكات، ودون تحميل الأجيال الحالية عبء أخطاء إدارية أو استثمارية.
في النهاية، يبقى الضمان أكبر من الأشخاص وأكبر من الحكومات.
هو أمانة في أعناق الجميع، وإدارته تحتاج إلى انضباط علمي، لا اجتهادات سياسية.
حمى الله الأردن وقيادته، وحمى حقوق العاملين والمتقاعدين.